رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

وهكذا لم نتردّد في تحميلهم المسؤولية، فعززنا بهم جانبنا وصحبناهم في فترات تربصّية حتى يأخذوا المشعل بإرادة وقوة. ولم يخب ظننا فيهم إذ أعطت هذه المبادرة نتائجها الطّيّبة، وتكاملت المؤسسات الدّينية مع المؤسسات التّربوية.

وبموقعي في واجهة هذه المؤسسات فمن الطّبيعيّ أن أصبح محورا لكل النّشاطات، ومرجعا لكل المشاورات، فما ركبني زهو ولا غرور، بل كنت أفوّض رفاقي في كثير من الأمور، فكم عالجت من قضايا شائكة على مستوى الأفراد والجماعات، وكم من رسائل مجهولة الهوية تلقى تحت باب منزلي تحمل السّفه واللّغو ولا ألقي لها بالا، وهكذا نعمت بلدتنا الطّيّبة بالهناء والاستقرار لعقود من الزّمن، إذ جنّبناها -بعون الله- أسباب الضّغائن والإحن، وأخمدنا ما يتهدّدها من جمار الفتن.

فهل تعي أجيالنا الصّاعدة هذه الميزة، وهل تستبقي هذه النّعمة، بما تتطلبها من الجهد والمثابرة، ومن الصّبر والثّبات والمناصرة؟.

ذلك هو همّنا المكين، وشغلنا المؤرق، لأن مؤشرات الحاضر المعيش، لا تنبي بما يطمئن له الخاطر،. ذلك لأن مجتمعنا -كما أسلفت- أخذ يتحوّل بخطى حثيثة من مجتمع مسجديّ إلى مجتمع مدنيّ، ضرورة ما تتعرض إليه منطقتنا من صنوف التّفتيت والتّعويم، ومن أنماط الضّغوط السّياسية والإدارية لا نملك معها حولا ولا قوة، إذ أصبح نظام العزابة مسلوب الفعالية في تدبير شؤون المجتمع كما كان يتمتع بذلك من قبل. وتمثلت لهذه الوضعية المؤسفة بقول مصطفى صادق الرّافعي في "وحي القلم"، وهو يشخّص وضعية المجتمع المصريّ في مثل ذلك التّحوّل السّريع إذ بقول: "لقد رقّ الدّين في رجالنا ونسائنا، فهل كانت علامة ذلك إلا أن كلمة: "حرام وحلال"، قد تحوّلت عند أكثرهم وأكثرهن إلى "لائق وغير لائق"، ثم نزلت عند كثير من الشّبان والفتيات إلى "معاقب عليه قانونا، ومباح قانونا"، ثم انحطّت آخرا عند السّواد والدهماء إلى "ممكن وغير ممكن".

٢٠٧ / ٢٥١