رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨لقد أحدث السّفهاء من أبنائنا كثيرا من الخروق في سفينة مجتمعنا، إذ تشعبت بهم المسالك، وتهافتت عليهم الأصوات، وانفتحت أمامهم طرق المغامرات، وصحب ذلك ما سبّبته السّوق الحرّة في المجال الاقتصاديّ من تناقضات وتداعيات، أفرزت في الوضعية الاجتماعية لبلادنا ضروبا من الشّرور والويلات. ولم تكن منطقتنا بمنأى عن ذلك الواقع المرير، وسفينة مجتمعنا يحيط بها الموج من كل مكان، ولكنها -بلطف الله- لم تستسلم للقنوط واليأس، ولم يعوزها الصّريخ الذي يحشد العزائم لمواجهة الشّدة والبأس. فما يزال رصيدها الحضاريّ -بحمد الله- يمدّها ببعض الطّاقة والحيوية تغالب بها الخطوب والكروب، وأصوات المشائخ ومن حولهم من سراة كل قرية تعلو في كل ناد، وهم يتعاونون على النّصح والإرشاد، ويؤمنون بأن الحياة جهاد وكفاح، وأن صراع البقاء لاجدوى فيه للصياح والنّواح. فقد مسّنا القرح مثل غيرنا من المواطنين، ولكننا عرفنا -بعون الله- كيف نضمّد جراحنا، ونواسي المفجوعين منّا، فتجاوزوا محنتهم بعد حين.
ولعلّ أخطر ظاهرة قد تعجّل بذوبان مجتمعنا -لا قدّر الله- هي ظاهرة استقرار كثير من العائلات بالحواضر الكبرى بدون ضوابط ولا قيود، مثلما كان يرتبه أسلافنا -رحمهم الله- وفق الظّروف والملابسات، ذلك لأن التّأثيرات البيئية هي أقوى من كل مناعة نوفّرها لجسم المجتمع مهما أوتينا من حنكة وبراعة في ذلك، لأننا أصبحنا لا نملك تلك الزّواجر العرفية والاجتماعية التي يمكن أن نردع بها كل متحدّ عنود، وأصبحت زينة الدّنيا تفتن النّفوس، سيما طبقة الشّباب، وهي اليوم تمسك بمقاليد الأمور في أغلب المؤسسات الاقتصادية.