رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٣انطلقنا من العطف عصرا على دابة تحمل أمتعتنا إلى غرداية، وكان الفصل خريفا لسنة 1941م انطلقت بنا سيارة "بوكامل" في الصباح الباكر وهي تشق الفيافي ما بين غرداية والأغواط في مسالك غير معبدة، إلا من شريط ممتد ضيق ما بين الأغواط والجلفة التي انتهينا إليها في نهاية النهار. وما كنت أعرف صاحب المتجر الذي أعمل معه، حتى توجه بي مرافقي إلى دكان أولاد حاجو وهناك سلمني بكل أمانة إلى "معلمي" السيد الحاج امحمد بالحاج بن عيسى، إذ كان ضيفا لوليمة العشاء في المتجر المذكور. ذهبنا إلى دكانه إثر تناول العشاء وهو يقع في حي "البازار" حيث يشركه أخوه السيد الحاج امحمد حمو بن عيسى، وهما يتناوبان على إدارة المتجر سنة فسنة، يساعدهما في العمل ابن عمهما السيد الحاج امحمد محمد بن بهون -رحمهم الله جميعا- وضعت أمتعتي في المخزن، وأنا لا أحير كلاما، إذ استولى علي الوجوم، وأخذتني الرهبة، ولم أجد من أبادله الكلام من اللدات والأقران إلا أخا يكبرني بقليل يمكث هناك لفترة مؤقتة وهو المرحوم الحاج امحمد عمر بن محمد المعروف "بلزوش" فبادرني بالتحية والإيناس واستسلمت لنوم عميق، فما راعني في الصباح إلا أن أجد حانوتا صغيرا يكاد يكون فارغا إلا من بعض الألبسة الصوفية، وبعض الزجاجات من روائح "الزوّاي" وبعض العقاقير المتناثرة على الدرج. فالمؤن مفقودة ضرورة قيام الحرب. وفي أوائل كل شهر توزع الإدارة أقساطا منها على التجار ليوزعوها على القبائل والأعراش ببطاقات عائلية حسب عدد أنفارها، وهي عملية تتطلب الدقة في ضبط الحسابات تخضع للمراقبة الرسمية من حين لآخر. وكان الأخ المذكور الحاج امحمد عمر يتكفل بذلك الضبط نظرا لمستواه المطلوب في اللغة الفرنسية.