رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٤وكانت لهذا الشيخ منّة كبرى عليّ بما كان يعاملني به من إحسان ومؤانسة، فيخفف من وحشتي، سيما في الأيام الأولى من غربتي، بدأت أقوم بالأعمال البسيطة من مسح وكنس ونفض وترتيب، ثم تدرجت شيئا فشيئا في تعلّم الطبخ. أخذت ليالي الشتاء تقسو والثلوج تتساقط ولا أملك من الثياب الدافئة شيئا ذا بال، ولا يملك مستخدمي أن يشتريها لي لأنني لم أدّخر بعملي بعد نصيبا من المال. ولم تكن في المتجر دورة للمياه فنضطر إلى الذهاب للمسجد حيث تتوفر المرافق.
أخذت وتيرة العمل تقسو، وزاد للطين بلة أن فارقنا الأخ عمر ليعود إلى متجر والده بعد عودته من "ميزاب".
تقلبت بين الرخاء والشدة، وبين اللين والقسوة في المعاملة، ما بين تسيير الأخوين: بالحاج وحمو للمتجر. إذ يمتاز الأول بكرم الأخلاق في المعاملة وبالسخاء في الإنفاق، وقد قدّر الله أن يفترقا فيستقل كل بدكانه، فتمسك الأخ الأكبر بالدكان القديم، وبقيت معه في وضع أليم. إذ مرت علي فترة ما تزال انعكاساتها مستكنة في أغوار نفسي، ذلك أن الإدارة ضبطت بعض المخالفات في توزيع التموين فحكمت بغلق المتجر وتشميع أبوابه مع سحب السجل التجاري وبغرامة مالية وسجن بسنة للمسؤول المباشر لتلك المخالفات، وهو المرحوم السيد: الحاج أمحمد محمد بن بهون.
فيا لهول الكارثة، كيف تكون وضعيتي في المتجر وقد سدّت أبوابه وتعطل نشاطه، وتفرّق مسيّروه. عاد السيد الحاج أمحمد حمو ليجد هذه الوضعية المزرية. فلابد من الجعالة والوساطة لتخفيف ذلك الحكم القاسي وتطلب السعي لذلك أكثر من شهرين بقيت فيها حبيس المخازن وراء الحانوت. لا عمل ولا أنيس لي إلا القطط المتناوشة في صفائح الزنك التي تغطي قسم المطبخ.