رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٥

قضيت تك الأيام التعيسة، ولا يعلم بحالي إلا الله تعالى، ولا أحظى بالتفاتة حانية حتى من أبناء عمومتي الذين هم في طفحة وسرور، في دكانهم المشهور "أروقة الجنوب" وليس لي من حيلة إلا الانطواء على همومي، وكظم تباريحي وأحزاني. فذوى جسمي وتورمت قدماي بالحذاء العسكري الضيق، حتى تفاقم الورم بإحدى رجلي فتكبدت منه آلاما لا تطاق، أقعدتني عن التحرك والمشي، كل ذلك والسيد المعلّم لا يعير لي اهتماما، ولا يفكر في الذهاب بي إلى الطبيب، لأن ذلك يتطلب ما في الجيب. وربما لم يكن لي في تلك المعاناة أية أجرة معينة. إذ جرت العادة أن لا يعمل الأطفال في تلك السنّ إلا لما يملأ بطونهم ويستر عوراتهم. ولا أخالني إلا في تلك الوضعية المزرية، إذ لم يأخذني "معلمي" إلى الطبيب حتى خاف سوء العاقبة من جراء ذلك الورم الذي أقعدني أياما وليالي قاسيات. استأصل الطبيب الورم فصرت أتردد على عيادته لتجديد ضماد الجرح.

كان أبناء عمي على علم بما جرى لي. فأردت أن ألفت انتباههم إليّ فتمردت على معلمي واختفيت فجأة عن المتجر وهو يبحث عني في كل مكان. فشعر بالمسؤولية، وبعد أن أعياه البحث وجدني مختبئا في مخازن "البازار" التابعة لمتجر والد أنيسي الأخ الحاج أمحمد عمر "لزوش" وبعد تأديبي بالكلمات والصفعات، أخذني كالمجرم البغيض إلى متجر أبناء عمومتي، ولكن يا عثرة حظي بما واجهني به صهري "سعيد محمد" إذ صبّ عليّ جام غضبه وألزمني بالعودة إلى "معلمي" حتى يجد لي مكانا آخر للعمل، فما كان مني إلا أن رضخت للأمر الواقع المرير. فعدت أدراجي إلى المكان الذي هربت منه، لأصبح أحقر مما كنت عليه، ولم يكن مهربي منه إلا إليه.

٢٥ / ٢٥١