رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

لم تكد العطلة الشّتوية تطرق الأبواب، وهي في العادة مجال للأفراح والأعراس وفرصة لعودة كثير من الأسر إلى ديارها للمشاركة والمباركة، ويشاء الله أن يتكدّر الصّفو وتثور عواصف الفتنة عاتية في القرارة بعد أحداث بريان ليمتدّ لهيبها إلى غرداية بأكثر حدّة وأبشع صورة حتى لكأن الأمر دبّر بليل، فما كادت أحداث القرارة يخبو أوارها بعد ملاحاة وتلازم وفي حوار ساخن أشرفت عليه السّلطات المحلية، وما كادت الأعراس الجماعية عندنا تنطلق مع عشرين ديسمبر 2013م حتى اشتعلت نار الفتنة في غرداية في حيّ اليهود الذي تحوّل اليوم إلى حيّ المجاهدين وامتدت نارها إلى حيّ "الحاج مسعود" فأحرقت بيوت من هناك من أهل "مليكة"، وانتهبت أموالهم بل هجّروا من ديارهم ليصبحوا لاجئين تحضنهم بعض المدارس، وخلال المواجهات السّاخنة بين الطّائفتين انتهز السّفهاء الفرصة فاقتحموا مقبرة "عمّي سعيد" من ثقب أحدثوه في جدار المقبرة ليقتلعوا شواهد الموتى ويعبثوا بقبورها نبشا وتخريبا مما أثار حفيظة أبناء غرداية، سيما بعد سقوط ضحايا منهم، فكان ردّ الفعل أعنف، وذلك بقطع طريق ضاية بن ضحوة، فلا تمرّ سيارة للقوم إلا ورموها بالحجارة فاضطر أهل الضّاية إلى المرور من الطّريق الخارجي ذهابا وإيابا، والتهبت حرقا بالنّيران مستودعات إخواننا في كل من الثنية وطريق مليكة ومرماد، فأصبح شارع أول نوفمبر من مفترق الطّرق عند عيادة "باحيو" حتى حدود ثانوية مفدي زكرياء أصبح خاويا على عروشه، فلم يرحم القوم تاجرا ولا طبيبا إلا استهدفوه بالحرق والنهب، وسلطات الأمن … -غالبا- ما تبقى متفرجة مثل ما فعل "نيرون" عندما أحرق روما، والمحظوظ من تجارنا وأطبائنا هو من استطاع أن ينقل بضاعته أو آلياته إلى أماكن أخرى، فنشطت الحركة التّجارية على طريق بنورة والعطف، فلا تكاد تجد مستودعا مغلقا هناك، بل حتى في بلدية العطف، وسقط من الضّحايا أكثر من عشرة، وكلّهم من إخوتنا.

٢٤٤ / ٢٥١