رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥وقد احتار المحلّلون في معرفة دواعي تلك الفتنة أهي من الدّاخل أم لها جذور خارجية تستهدف استقرار الجزائر لتجرّها إلى أتون ما يسمّى بالرّبيع العربيّ.
فكانت أحداث "تقنتورين" على الحدود الجنوبية ثم غرداية وما تخبئه الغيوب في مستقبل البلاد، وقد تعزز الأمن بقوات من الدّرك الوطنيّ التي أحكمت قبضتها على الوضع، وكنّا ننتظر مسعى تصالحيا تقوم به السّلطات المركزية إذ سارت الرّكبان بأخبار غرداية وطنيا وعالميا، وسال في شأنها كثير من الخبر وركزت وسائل الإعلام على الحدث ما بين مشفق رحيم وحاقد غشوم، وخلال الأسبوع الأخير من ديسمبر 2013م انتقل وفد هامّ من أصحابنا وعلى رأسه الشيخ عبد الحميد اختار أعضاءه بنفسه، وقد شارك فيه من العطف كل من الأستاذين: الحاج عيسى محمد بن يحي وبهون علي عبد الرّحمن بن حموده، انتقلوا إلى العاصمة في "جنان الميثاق"، إذ أشرف على اللّقاء الوزير الأول الأخ عبد المالك سلال، فصرّح كل وفد بما يشعر به، وحاول القوم أن يظهروا أنفسهم بمظهر الضّحية وأن الإباضية هم من أشعل نار الفتنة، وأفصحوا عن سخائم صدورهم في تعنت وعجرفة أثارت حفيظة الوزير فمنع البعض منهم عن الكلام، وحرّض الجميع على التهدئة وتغليب العقل على العاطفة، وكم توالت على المنطقة وفود وشخصيات، وكلهم لا يقولون في أصحابنا إلا حقا، ولا يظهرون إلا إعترافا بطيب عشرتنا وحسن معاملتنا لكل من نخالطهم حيثما حللنا وارتحلنا، ولكنه الغلّ والحسد، دفع بأولئك السّفهاء للمكر والكيد، وقد تكرّر بمجيء الوزير الأول إلى المنطقة مرتين فهدأت الأوضاع نسبيا، وما تزال بعض المناوشات الفردية تقع هنا وهناك، فتجهّم وجه غرداية وغاضت نضارتها إذ غلب عليها الذّهول والحيرة واستحوذ الخوف والحيطة والحذر، وما كان في حسبان من أشعلوا تلك الفتنة أن يكون الردّ عنيفا من طرف أصحابنا، إذ عاقبوا بالمثل من ظلمهم من القوم بالإحراق والتهجير من البيوت بأكثر حدة، غير أنهم