رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨إنّ الأماني في حياة الإنسان هي الطّاقة التي تحرّك أجهزته لتنتج الحيوية والنّشاط وتكسب الحياة مذاقها، وتلوّن بشرتها، وتوجهها كيف تشاء، وما كان يغلب على ظني أن يتحقق في واقع حياتي ذلك الدّعاء المخلص من أبي الرّوحي الشّيخ عدون شريفي عندما عرضت عليه مشروع التّفسير التأليفي المتمثل في ملزمة الجزء الأول منه، وأنا أرجو منه أن يدبّجه بمقدمة من عنده تبركا وتيمنا، وأطلب منه أن يدعو الله لي بطول العمر حتى أغطي الحلقة المفقودة من تفسير الشّيخ الإمام: "في رحاب القرآن"، فأجابني على الفطرة وبقناعة: "بل أطلب لك من الله أن يمدّ في أجلك حتى تكمّل تفسير القرآن بأكمله".
واعجبا لأقدار الله، كيف يقضي بها في حياة خلقه ليصبح المستحيل ممكنا والبعيد قريبا، والأمل الحالم واقعا ملموسا، فها أنا ذا بعد ما يقرب من أربعين عاما على ذلك الدّعاء المبارك، وقد هرمت وذهبت جدتي ولا يكاد قلمي يستقرّ بين أناملي، ها أنا أجدني في الشّوط الأخير من التفسير، أي في الجزء الثّلاثين، لأتدّرج -بعون الله- إلى الختم المبارك، وهل أغلى عندي من تلك الأمنية المباركة وأنا على عتبة نهاية المطاف، ترافقني من المولى تبارك وتعالى العناية والألطاف في الأوقات الحرجة والسنين العجاف.
وإذا العناية لاحظتك عيونها … نم، فالمخاوف كلهن أمان
إن الجمهور الكريم من عمّار بيوت الله والمتابعين لدروس التّفسير من خلال أمواج الأثير لجهاز الإرسال FM يعيشون مثلي تلك الأماني، ويعبّرون عنها كلما جمعني بهم لقاء أو مناسبة، بل يغرق البعض منهم في تضخيم مهرجان الختم -إن شاء الله- ويودّون توسيعه إلى المستوى الوطني والعالم الإسلامي بما لا أطمح إليه أبدا ولا أتطاول إلى مقاماته، لأنني أكره مظاهر السّمعة والمحمدة والرّياء، وأتحاشى خداع الأبصار في الأضواء، وذلك ما أوصيت به أحبائي من الأبناء والأصدقاء.