رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٦وهكذا شاءت الأقدار أن أزيد بعض أيام العنت لتتاح لي الفرصة بعدها في السفر إلى العاصمة، حيث أصبحت أجيرا في متجر للسيد المرحوم: "الحاج سعيد إبراهيم بن سليمان، خلفاوي" بالحراش يسيره يومئذ كل من الأخوين: سعيد مسعود بن عمر "كعباش" والحاج أيوب محمد بن عبد الله. فانفسح المجال أمامي في المدينة الكبرى، إذ أقبلت فيها على أنظمة وحياة أخرى، مطبوعة بالطابع الحضاري الأنيق. وزبائن ينعمون بكل الوسائل الحضارية، ويتمتعون بحظ وافر من اللياقة والأدب، والدقة والنظام. أقبلت على تلك الحياة الجديدة بأمل وطموح، أستفيد من جديدها وأنسجم مع أنظمتها، فانطلق لساني في الحديث بالفرنسية وحتى بمبادئ الإنجليزية، عند نزول جيوش الحلفاء بالجزائر سنة 1942م، بدأت أمارس العمل بمختلف الوسائل الحديثة من المكاييل والموازين والآلات الحاسبة إلخ. وأتقنت ذلك في أسرع وقت، حظيت من رفيقي في العمل بمعاملة لطيفة، فكان لهذا الجو الجديد أثره البالغ في نفسي حيوية ونشاطا وانتعاشا وأملا، وإن لم تكن الحركة التجارية يومئذ شديدة الرواج، نظرا لندرة البضائع، وأغلبها يباع في السوق السوداء، والمواد الغذائية لا توزع إلا بالبطاقات -كما تقدم-.
سارت وتيرة العمل على ذلك النمط الجديد المحمود ولكن أنى للدنيا أن تصافي أحدا أو توادعه وهي المتقلبة المتلونة كما قال الشاعر:
طبعت على كدر وأنت تريدها … صرفا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها … متطلب في الماء جذوة نار