رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٨

وكنت لا أملك بذلة محترمة ولا حذاء مناسبا أنتعل به حتى أعود لأمي في زي لائق يعطي لها انطباعا بأنني أصبحت حقا ذلك الفتى الذي تعلق فيه الآمال. فحالة الحرب تأكل الأخضر واليابس، ولا تفرق بين الغني المتفضل والفقير البائس. فحسبي -إذن- بعض الأسمال البالية مما تجمع عندي أضم بعضها إلى بعض وأرقعها بغير انسجام لتستر عورتي وكفى. ارتحلنا إلى بلدة "الجلفة" عند أبناء عمومتي بمتجر "أروقة الجنوب" وبعد ثلاثة أيام عدت إلى قريتي على ظهر شاحنة "لبوكامل" قطعت بنا الفيافي ما بين الأغواط إلى غرداية وغبار عجلاتها ينصبّ فوق رؤوسنا متراكما حتى انطمست قسمات وجوهنا واغبرت ثيابنا، ثم أكملنا الطريق من غرداية إلى العطف على الأقدام. ولا تسل عن فجيعة والدتي عندما استقبلتني باكية وهي تشاهد ثيابي الممزقة وجسمي المغبر، أهذه هي أوبة العامل المكدود، والمغترب عنها لمدة ثلاث سنوات متتابعة قضاها ما بين الجلفة والحراش، نعم، إنها الحقيقة المرة والواقع التعيس الذي كان يعيش عليه الأجراء الأطفال، ممن ليس لهم كفيل ولا وال. أمضيت شهرا أو يزيد مع أمي، وقريتنا يومئذ تعاني من الغلاء وفقدان المواد ما تعاني. وأكثر السكان مغتربون، ووسائل العيش ما تزال بدائية في أغلبها، فلا مواسير للماء، ولا قنوات للصرف، ولا سيارات، ولا مرافق صحية البتة، والحرب العالمية تلتهم الأموال والعباد. وشيخي المرحوم محمد بن بهون ما زال تراوده الآمال في إرسالي إلى بعثة القرارة، ولكنه لم يجد من المحسنين من يتكفل بنفقاتي.

كنت على موعد مع ابن عمي المرحوم السيد سعيد باحمد بن صالح -كعباش- لأعمل أجيرا عنده في بلدة "مسعد" من دوائر ولاية "الجلفة" حاليا، حيث أنشأ تجارة بدائية، لا تشبع طموحي ولا تلبي رغبات فتوتي. ولكن ما حيلتي، وأنا المسوق بإرادة الأوصياء، وظروف الحرب تقتضي الابتعاد والانزواء.

٢٨ / ٢٥١