رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٩انطلقت إلى "مسعد" الرابضة على سفوح جبال "بوكحيل" الشماء، في منطقة الهضاب العليا.
أرأيت إلى الضفدعة كيف يتغير نقيقها عندما تنقل إلى غير بركتها المألوفة؟ تلك هي حالتي الكئيبة، وقد أصبحت في متجر لا يعرف نشاطا إلا في يوم السوق "يوم الأربعاء" وأقل منه يوم الثلاثاء والخميس ما بين قدوم البدو إلى السوق وعودتهم إلى مضاربهم. وكنا نمضي أغلب أيام الأسبوع في شبه راحة لانعدام تعاملنا مع أهل البلدة المقيمين إلا في القليل النادر. أمضيت ما يقرب من سنة ونصف في هذا البلد الصحراوي الوديع، وقد أحسن ابن عمي رعايتي في المطعم والملبس بما لم أتمتع به من قبل. وكفيت مؤونة الطبخ، إذ رتبنا مطعمنا عند آل المرحوم الحاج عيسى الحاج محمد بن صالح وآل سماوي في شركاتهم، وكنت أستأنس ببعض اللدات من أبنائهم عندما نجتمع للغذاء أو العشاء.
وبعد التقويم السنوي للمتجر عزم ابن عمي قضاء فترة راحته في ميزاب يضطر معها إلى غلق المتجر لثلاثة أشهر، على أن أبقى في رعاية الجيران حتى يعود.
ويشاء الله تعالى أن يتخذ ذلك فرصة لأول بادرة تنير لي الطريق على نهج العلم والمعرفة، إذ انضممت رسميا إلى كتاب الشيخ الوقور السيد: أحمد بن عبد القادر "الزنيني" رحمه الله، فأصبحت إلى جانب لداتي المذكورين، وأبرزهم هو المرحوم السيد الحاج أمحمد إسماعيل بن داود بن بالحاج. فبدأت أحفظ القرآن انطلاقا من سورة البقرة. وكان الشيخ يأخذ أمثالي من الحفاظ بطريقة ممتازة من الحفظ للتركيز والإتقان، وهو الشيخ الوقور، المقبل على خدمة كتاب الله بكل إخلاص ووفاء، والمدبر عن مفاتن الدنيا والزاهد في متاعها إلا بما يضمن له البقاء.