رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٣٠حفظت النصف الأول من القرآن حفظا مركزا بقي منقوشا في ذاكرتي حتى اليوم. فسبحان مدبر الأمور ومصرّف الأقدار. فقد كانت هذه البادرة سببا لانتعاش حنيني وتيقظ وعيي لطلب العلم والمعرفة، بعد أن توالت عليّ في تلك المرحلة محفزات أخرى كان لها مفعولها في وعيي الباطني أذكر منها:
أ-تلك الرسالة المعبرة التي بعث بها شيخي "محمد بن بهون" خلال سنة 1943 يعزيني بها لوفاة جدتي المرحومة باباعدون عائشة بنت عمر. ضمنها إيحاءات مخلصة تدعوني إلى حظيرة العلم يقول فيها ما نصه: "إنك يا بني لم تخلق للذراع والميزان، ولكن للدواة والقلم والعرفان".
ب- صادف أن زارنا إلى "مسعد" السيد المفضال سماوي الحاج إسماعيل بن الحاج محمد. وكان هذا الأخ الكريم نبيل العاطفة مرهف الحس، قد عزّ عليه أن يراني أجيرا بسيطا، وقد سمع عن شيخي ورغبته في إرسالي إلى بعثة القرارة. فجرني ذات مرة إلى حوش المتجر ليحرضني على الرجوع إلى الدراسة، وأنه سيكون أحد الذين يساعدونني على الذهاب إلى القرارة، كما فعل بأخيه الأصغر سماوي أيوب، وجدت كلماته أثرا في نفسي. ولكن ما حيلتي وأنا الطائر المسجون، والأجير البسيط المغبون؟.