رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٣١ج-كان للسيد المرحوم بليدي عمر بن أيوب اليسجني تجارة بسيطة في "مسعد" فيجتمع معنا من حين إلى آخر وهو المشبع بالروح الإصلاحية، إذ كان ولده المرحوم بليدي صالح ضمن البعثة البيوضية بالقرارة، وكان يراسله ليخبره بكل النشاطات العلمية هناك وبالصراع الدائر بين الشيخ الإمام وخصومه التقليديين. كان يتلو علينا تلك الرسائل بفخر واعتزاز، وللتوعية والإيحاء، وقد تجمعنا حوله في سهرات الشاي بعد العشاء … لنستمع إلى الفصحى في شغف وإعجاب. كل تلك المحفزات كان لها الأثر البالغ في نفسي جعلني أحقر شأني وأرثي لوضعيتي. فصرت أنظر باحتقار وازدراء إلى كل ما يمتّ إلى التجارة ودكاكينها بصلة ولو كان فيها مال قارون. أخذت تعتمل في نفسي تلك الأفكار، ويؤججها ما كنت أتسقطه من الأخبار. فضاق بي المقام وتساوى لدي الليل والنهار. ولكن كيف المهرب من هذا السجن؟، وأنى تتحقق لي تلك الأحلام والأفكار؟، فلأعزم أمري لهذا الاتجاه ويفعل الله ما يشاء، وهو القوي الجبار.
وزاد من وحشتي ارتحال رفاقي إلى قضاء العطلة الصيفية في البلد، فبقيت وحيدا أحمل أثقال همومي ويلح علي طموحي فلا أجد مسلكا، ولا أستطيع أن أبوح لأحد بما يدور في خلدي، فقل نشاطي وذوت صحتي وركنت إلى الصمت والذهول. فاضطر ابن عمي إلى إرسالي إلى "الجلفة" للمعالجة. وكانت فرصة غالية تفسحت فيها مع أبناء عمي في ضيعة بوكامل في "ورو" والتي نقضي في سحر طبيعتها ومائها الحلو البارد عطلة الأسبوع. وهكذا لمدة شهر كامل تماثلت للشفاء، وأنا منطو على آمالي وطموحي، لا أفصح بها لأحد. فيا للسعادة والبشرى عندما علمت أني مطلوب للخدمة العسكرية، ويقتضي ذلك رجوعي إلى "ميزاب" فورا لتسجيل "التعويض" وهو مقدار من المال يدفعه المعني حتى يعفى من الخدمة، وهو امتياز حصل عليه الميزابيون، بعد اتفاقات مضنية مع السلطة الفرنسية تولاها المرحوم السيد الحاج أمحمد عمر بن عيسى بن إبراهيم.