رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٣٥وفي أوائل أكتوبر سنة 1945م تهيأ الفوج المذكور للسفر إلى القرارة، وقد تكفل بهم أولياؤهم ما بين أب أو وصي. أما أنا فأعلل نفسي بما سمعته من وعود، بأن يتولى بعض المحسنين التكفل بشؤوني لألتحق بالقرارة. وكانت والدتي لا ترتاح لتلك الوعود إذ لم تشاهد أي بادرة لذلك حتى من طرف أبناء عمومتي. فبقيت عالة عليها في تلك الأيام الثقيلة المملة بالانتظار، إذ لم أسعفها بدرهم ولا دينار، لأنني أجهل تمام الجهل ما ادّخرته بكد يميني في تلك السنوات الخمس من الغربة والعمل المضني. اللهم إلا ما نفحني إياه الشيخ عدون شريفي إثر انتهائي من استنساخ القانون الأساسي لوحدة التعليم في مدارس الإصلاح، وهو يقع في حوالي مائة صفحة، إذ دفع لي مبلغ مائتي فرنك فرنسي. لتبقى منه نسخة لجمعية النهضة.
ارتحل الفوج المذكور إلى القرارة، وبقيت وحدي بين اليأس والرجاء، لا أدري أأصدق ما يعدني به الوجهاء أم هي مواعيد عرقوب تذهب أدراج الرياح هباء، بقيت على تلك الحالة المضنية لما يزيد عن شهرين، ونفسي أميل إلى اليأس منها إلى الرجاء.
لك الله يا أمي، ماذا سببته لك من عناء؟؟ وأنا أمام الوعود كباسط كفيه إلى الماء.
كان أبناء عمومتي في بلدة "الجلفة" أغلبهم شباب انطلقوا في تجارتهم بمحل "أروقة الجنوب" وليست لديهم أية فكرة عن الحركة الإصلاحية، إذ ما تزال في حداثتها مقصورة على الطلائع الواعية من سراة البلدة، وكان أبرزهم في ذلك السيد المرحوم سماوي الحاج حمو بن صالح وهو من الأعضاء المؤسسين لجمعية النهضة والمهتمين بشؤون البعثة. فقام بدور الوسيط لدى أبناء عمومتي ليأخذ منهم الإذن بإرسالي إلى القرارة -لأنهم الأوصياء الشرعيون علي- ولكنهم لا يتحملون أيّة نفقة ولا يلتزمون بأي تكاليف مادية. قبل منهم السيد سماوي ذلك الشرط استدراجا لهم ووضعهم أمام الأمر الواقع، والزمان والنتائج كفيلة بإقناعهم بعد ذلك.