رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٣٦

وذات يوم دعيت أمي من طرف أبناء عمومتي الموجودين في البلدة: كعباش بالحاج بن صالح، وسعيد الحاج صالح بن الحاج امحمد قباض، فأخبراها بأنهم وافقوا على التحاقي بالقرارة حتى تجهّز ما أحتاجه من اللباس والفراش، وأن بعض المحسنين سيتولون نفقتي.

مسكينة أنت يا أمي! كيف تدبرين شؤون طفلك، وهو في سن المراهقة، وليس له كفيل ولا معين؟، إلا من الله القوي العزيز الذي يمن على المستضعفين. فما كان من الأم الرؤوم إلا أن غدت تدبّر أمرها بإمكانياتها الخاصة لتعدّ لي فراشا وكساء وصندوقا يحفظ أمتعتي في دار البعثة. فتهيأ لي من ذلك ما هو ضروري يردّ عني عالة البرد ويستر عورتي وكفى. أمّا الثياب العصرية الجديدة، أو الفرش والأكسية المخملية الوثيرة فلا شأن لي بها إطلاقا.

كانت أمي بين الخوف والرجاء كيف يكون مصير وحيدها هناك في القرارة؟؟ ومهما يكن من الأمر فهو لا يكون أسوأ حالا مما شهدته عليه وهو عائد من غربة العمل في مدة خمس سنوات، فلتفوّض أمرها إلى الله، وهو اللطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز،

حان موعد السفر فدبّرت أمري وحدي لنقل أمتعتي من العطف إلى غرداية بكراء دابة المرحوم عيسى موسى ابن عدون ثم الكراء إلى القرارة على ظهر شاحنة المعمر "داقيق". تركت أمي تذرف دموعها الحارة داعية الله لي بالتوفيق والسلامة، وهي تواجه صفحة أخرى من حياة وحيدها، ولا تعلم مداها ولا نتائجها.

انطلقت بنا الشاحنة عند الظهر لتصل إلى القرارة بعد صلاة العشاء، وكان الطلبة يترصّدون وفود الطلبة ممن يلتحق مؤخرا بالبعثة، وتم ذلك في أواخر شهر ديسمبر من سنة 1945. وقد انطلقت الدراسة قبل ذلك في كلّ من مدرسة ومعهد الحياة. وهناك بين أحضان البعثة ألقيت عصا الترحال، وأنا أشعر براحة البال لأستقبل حياة جديدة، كلّها جدّ ونشاط على ما تتّسم به من شظف العيش واحتكاك الطبائع والصرامة في التسيير والانضباط.

٣٦ / ٢٥١