رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٤٥

شددت رحالي إلى القرارة وبثثت شكواي لرفاقي وأساتذتي، وهم مشفقون على وضعيتي، وأشدهم في ذلك الشيخ محمد علي الدبوز. إذ وعدني بأنه سوف يدبر الأمر بنفسه مع وكلائي عندما يمر بمدينة "الجلفة" في عطلة الصيف. وهو على ود وتقدير واتصال وثيق بعمنا السيد سعيد الحاج صالح الذي يعتبر الرأس المسير للحركة التجارية هناك، ولا ينازعه شركاؤه في أمر يقرره.

غادرت القرارة بنفس كئيبة، فأصبحت في عداد العمال الخاضعين للتراتيب المألوفة لدى جماعتنا من الصرامة والانضباط. لا أجد إقبالا لنفسي ولا راحة ضمير في ذلك النوع من العمل، ولو كان فيه الغنى والثروة ضرورة أني ذقت في ذلك من الضعة والضياع ما كفى ولكن:

إذا لم يكن غير الأسنة مركبا … فلا يسع المضطر إلا ركوبها

مرت ستة أشهر وأنا على تلك الوضعية، لا أطيق لها صبرا ولكني تحملت ألم الصدمة، موقنا أن الله سيجعل بعد العسر يسرا، وكنت على تلك الحالة النفسية لا أدّخر وسعا في القيام بواجبي، ولا أستنكف عن أي عمل أكلف به، فسارت الأيام على هذه الوتيرة أثقل ما تكون، وأنا أرتقب بشغف كيف ينجز الشيخ الدبوز وعده الثمين؟؟

وبعد أيام من شهر أكتوبر 1949 هتف الشيخ ليخبرنا بقدومه وإقامته عندنا ليوم كامل يلقي فيه درسا على الجماعة في المسجد فأعددنا الوليمة وحرّضنا الجمهور على حضور الدرس. وكان عمنا سعيد الحاج صالح من كبار جماعتنا هناك. وما كاد الشيخ يستريح بيننا حتى بادره بجلسة خاصة استمرت لأكثر من ساعتين في واجهة المقهى قبالة المتجر. لقد انتعش الأمل في قلبي وتيقنت أن الشيخ سيؤثر بقوة شخصيته في عمنا الحاج صالح. وعرفت ذلك من خلال قسمات الشيخ الضاحكة، وقد انتهت الجلسة وحسم في أمري.

وفعلا دعاني السيد الحاج صالح إلى مكتبه في المتجر ليأمرني بإعداد أمتعتي للعودة إلى القرارة حتى أكمل السنة الباقية من برنامج المعهد، واعتذر إلي بكل تواضع وإنصاف بأنه ما كان يعرف أن للمعهد برنامجا محددا بالسنوات.

٤٥ / ٢٥١