رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٤٧

انطوت السنة النهائية بالمعهد في لمح البصر ونعق غراب البين، ولم يبق لي من عودة إلى القرارة في السنة القادمة، فإما ارتياد لآفاق أخرى في مجال العلم والدراسة، وإما دخول إلى معترك الحياة بكل متناقضاته، وليس إلا تونس الخضراء موردا للارتياد، وقد سبقنا إليه بعض الزملاء و الأنداد، وهم الأخوة: بالحاج بن عدون، لعساكر محمد، الأطرش إبراهيم، بكير أرشوم، فلم لا تكون تونس وجهتنا نحن كذلك؟؟. تلك كانت رغبة بعض زملائي في الدراسة، وهم الإخوة: سعودي عيسى، ابن زايط محمد، العايب محمد، سماوي أيوب، على أن يتولى كل واحد منا تنفيذ خطته في التسلل إلى تونس بنفسه منفردا عن الآخرين بالكيفية التي تتيسر له، بعيدا عن مراقبة الشيخ الإمام، والشيخ عدون -مدير المعهد- لأنهما متحفظان جدا من فتح هذا المجال للطلبة خشية نكوصهم عن المعهد، وإشفاقا على الطلبة هناك بدون دار بعثة ورئاسة حازمة تنظم شؤونهم، إذ أن الإخوة الروّاد المذكورين قد اتخذوا من دار الجماعة في سوق البلاط، مأوى لهم على ما بها من ضيق وانعدام الوسائل الصحية اللازمة.

كنت أتحين الفرص و أجس النبض مع بعض سراة البلدة من رواد الإصلاح فيها، سيما الأعضاء الإداريين لجمعية النهضة، وكان الأستاذ الحاج أيوب إبراهيم قرادي أول من صارحته برغبتي، عندما زار البعثة في آخر تلك السنة 1950 م، فوعدني على أن يعمل على مستوى إدارة النهضة لتطلع على بعض مصارفي، كما كاتبت السيد بابا عدون إبراهيم -رحمه الله- ليكون شفيعا لي عند عمنا الحاج صالح ليتكفل بنفقات العائلة.

وعند اتخاذ تلك الوسائل توسلت إلى الله العلي القدير أن يسهل لي الأسباب ويفتح الأبواب.

٤٧ / ٢٥١