رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٤٨وفي منتهى شهر جويلية من سنة 1950 ودّعت القرارة بقلب أسيف وعين سكوب – وهي أحب بلاد الله في قلبي، قضيت فيها فترات عمري طائرا غريدا ونحلة دؤوبة لصنع الشهد، لا أعرف لعوادي الزمان طيفا ولا شبحا، ولا أبدي لتقلباته حزنا ولا فرحا، بل هي الحياة المثالية والجو الفطري السليم نجد في كنفه الطمأنينة والهناء، وننعم بالزمالة العلمية في محبة وصفاء.
تلقيت الأوامر من عمنا الحاج صالح للعروج على الجلفة قبل العودة إلى ميزاب، فحزمت أمتعتي وكتبي وبعثتها مع أحد الزملاء إلى العطفاء ثم انطلقت على شاحنة "توربي" على طريق "مسعد". وعلى مشارف الساقية الحمراء ألقيت نظرة الوداع على القرارة وواحاتها الغناء، وعلى دورها ومنازلها الشماء، ولساني يردد مع الشاعر:
بنفسي تلك الأرض، ما أطيب الربى … وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيات الحمى برواجع … عليك، ولكن خلّ عينيك تدمعا
هناك في مدينة "الجلفة" سوف يتقرر مصيري مرة أخرى، ونهاية العطلة الصيفية قاب قوسين. ترى ماذا تخبئه الأقدار؟؟ والعادة تقضي بالعودة إلى العش الهنيء في تراتيب خاصة للعودة الأولى إلى العروس، وأنا يتجاذبني عاملان من الخوف والرجاء ومن الحزن والفرح، إذ كنت على شوق إلى اللقاء السعيد، وحلاوة شهر العسل ما تزال تسري في أوصالي، ولكنه مشوبة بقسط من المرارة مخافة ألا تتحقق طموحاتي وآمالي، وكنت لا أكتفي بالمواقف السلبية والوعود الفضفاضة، فأخذت أبتهل كل فرصة تسنح لي لمخاطبة أي شخص عن رغبتي، وأنا أعتقد فيه الخير أنه سيساعدني في أمري، وفي هذا الإطار صادف أن مرّ رئيس الجمعية … -الشيخ ابن يوسف سليمان- مرّ من هناك إلى ميزاب، فلم أتمكن من مصارحته بالموضوع مراعاة لتراتيب العمل في المتجر، وأخذت ورقة سجلت عليها بيتا للمتنبي بعد التحية والسلام يقول:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة … سكوتي جواب عندها وخطاب