رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٤٩ثم ناولتها إياه خفية وأنا أودعه، فكان لهذا البيت مفعوله السحري في نفسه، إذ لم يتردد قط في الموافقة على أن تتحمل الجمعية تكاليف نفقاتي في تونس، ويتابع أبناء عمومتي التكفل بالعائلة، وفي أواخر شهر أوت 1950 جاءتني البشرى بالقرار يحملها إليّ السيد بابا عدون إبراهيم بن عيسى، ويخبرني بها سرّا.
وسرعان ما تهيأت الأجهزة المطلوبة للعودة إلى الحبيب، بعد فراق ستة عشر شهرا على التقريب، ولا أجد أبلغ من قول البحتري في سحر اللقاء:
ولو عرف الناس اللقاء وحسنه … لحبّب من أجل اللقاء التّفرّق
نعمت براحة البال وكؤوس الحب مترعة، في غفلة من الدهر وأكداره، وأنا على أتم سعادة بين أم حنون وروح تغمرني عطفا ومودة، تمازح روحنا حتى لكأننا كما يقول جميل معمّر:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا … ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا … وليس إذا متنا بمنقضي العهد
وعلى ذلك الصفاء النفسي، كنت على إشفاق كبير لما يكون من ردود الفعل عند أمي وزوجي إذا ما كشفت لهما ما أدبره من السفر إلى تونس الخضراء، و أنى للمرء أن يمتلك زمام عواطفه مع ألصق الناس به، سيما وقد أزفت ساعة الرحيل، فلا بد من الصراحة لدرء ما يروّج من الأقاويل، وقد كفاني عمنا الحاج صالح مؤونة الوالدة و الصّهر، إذ كشف لهما حقيقة الأمر، وطمأنهما بأنه سيبقى على العهد في التكفل بنفقات الأسرة، أما الزوج الحبيبة فكانت فوق المظنون، إذ لم تتبرم بما عقدت عليه العزم، بل شجعتني على المضي قدما لما قدره الله لي، وأنها باقية على الحب والوفاء، في المنشط والمكره، وفي الشدة والرضاء.