رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٥٤سارت وتيرة الحياة في السنتين الأوليين ونحن ما نزال في دار الجماعة بسوق البلاط، سارت منتظمة هنيئة، نظرا لتقارب مستوانا في الأعمار وفي التكوين، لم نضيع الوقت كثيرا في تطوير أساليب معيشتنا بما يتلاءم مع ذلك الجو الراقي، أناقة في اللباس على الزّي التقليدي التونسي، ووجبات كافية غنية يقوم على إعدادها قيم الدار، المرحوم السيد عمر بن قاسم القراري، وسرير وفراش وطاولة للكتابة والمطالعة أتقاسمها مع الأخ سعودي عيسى، وكانت هذه الحياة بالنسبة إلينا نحن الاثنين شيئا ممتازا، فما كنت أعرف اللباس الداخلي إطلاقا، وما لبست من قبل صدارا "تريكو" صوفيا يقيني غائلة البرد، ولا جوربا يقي رجليّ من التشقق، فأصبحت -بفضل الله- أرفل في عباءة ممتازة مطرزة مختلفة القماش بما يتلاءم مع الشتاء والصيف، واضعا على هامتي طربوشا لمّاعا ومنتعلا حذاء نظيفا، ولا أعدم برنوسا من الوبر أضعه على كتفي وفق الزي التقليدي للطلبة الزيتونيين، وقد تكفل بحاجياتي السيد الكريم المرحوم: الواهج الحاج يحي بن حمو، إذ كانت له تجارة ناجحة في سوق "الترك" منذ شبابه وتواجده الباكر في تونس، وكان مثاليا في الحزم والنظام والصدق في المعاملة، فأصبح بحكم تقلبه بين القطرين الجزائري والتونسي، الرسول الأمين بينا وبين أولياء أمورنا، وإن أنس لا أنس موقفه الإنساني عندما علم أنني أشكو -أحيانا- آلاما ممضية لفتق قديم لازمني منذ صغري، فأخذ ينمو ويسبب لي ضعفا وهزالا، فلم تكد السنة الدراسية 1951 م تنقضي حتى شجعني على إجراء عملية جراحية اغتناما للعطلة الصيفية التي قررت ألا أعود فيها إلى أهلي، وقد تكفل الأخ الكريم بإبلاغ أولياء أمري واختيار العيادة والأطباء المهرة، فلم أتردد قط في اغتنام تلك الفرصة، ففي شهر جويلية من سنة 1951 تمت العملية الجراحية في عيادة "دار الشفاء" للسيد "الصادق بن عمار" وهو الممرض المشهور لدى جماعتنا قديما في مستشفى "الصادقية" وبعد