رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٦٦ما تزال العشيرة في "وادي ميزاب" بل وفي العالم العربي والإسلامي قاطبة، ما تزال تلعب دورا اجتماعيا مهما، وحتى سياسيا واقتصاديا عند كثير من الأقوام، وليس ذلك بدعا في سنة الحياة وسنة الاجتماع البشري، بل هو مجلى لحكمة الله وقدرته في تدبير شؤون خلقه وهو القائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).
وتقتضي صلة الرحم ووشيجة القربى أن يتدرج الإنسان في وتيرة الإصلاح والتغيير، فبعد ترتيب شؤون بيته الخاص، ينتقل إلى شؤون ذوي رحمه يدبر أمرها ويصلح ما فسد منها، كما أرشد الله رسوله إلى ذلك عندما قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشّعراء:214). ذلك ما توخيته، إذ وجدتني في قومي أوحدهم في العلم والمعرفة وليس لهم ما يفاخرون به غيرهم في هذا المجال، فعز علي أن يبقوا على ذلك المستوى، وأنا الوحيد ممن بقي بين ظهرانيهم من زملائي الطلبة الذين كانوا معي في المعهد، إذ تغرب أغلبهم للارتزاق، والعشيرة تحكمها أعراف ليس من السهل التغلب عليها، فهناك "مقدم" يمثلها رسميا لدى السلطات -أي في مجلس الضمان- وعلى رأسهم "القائد" ومخزنه وهناك سراة العشيرة يجلسون على الصدارة، وأغلبهم من الشيوخ الكبار الذين يمثلون مختلف الأسر ممن ينتمي إلى تشكيلة العشيرة كما تقدم، فأنى لشاب مثلي تنقصه الحنكة والتجربة أن يقتحم الصفوف الأمامية ويتطاول إلى مقام المسؤولية؟، لم يكن وقتها دور واسعة للعشائر تسع تجمّعات أبنائها في المواسم والمناسبات، بل أغلب ما تملكه دور صغرى لا تسع إلاّ سراة القوم، وتحمل عشيرتنا اسم "باحريز" في نهج مبارك بن بلخير المؤدي إلى باب "ترزوق" في أسفل القرية.