رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٧٠

ففي هذا المكان بالذات، ومع هؤلاء الأشخاص جئت لأربي الأجيال، وأنظم الأحوال، وأنطلق في عملية التغيير التي كنت أعتقد أن الرواد الأوائل في جمعية النهضة كانوا قد مهدوا طريقها ووضعوا معالمها فأسير على هداهم، وأقتفي خطاهم.

فما حيلتي أمام هذه الوضعية المربكة إلا أن انطلق من صفر. فأسجل وأرتب وأقسّم الحصص لسبع سنوات كما يقتضي برنامج وحدة التعليم. وما هو مصير الأقسام التي تنتظر عودة المدير من البقاع المقدسة؟؟، ومن لي بشراء الوسائل الضرورية للعمل التربوي من طبشور وأوراق وسجلات … إلخ، ورئيس الجمعية غائب، وأمين مالها المرحوم الحاج عيسى الحاج إبراهيم بن الحاج محمد قد توفي في صيف تلك السنة بالذات أي سنة 1954. ولم أكن أفكر في أجور المعلمين، ولا عرفت كم هو راتبي الشهري. كانت هذه الأسئلة تلح عليّ ولا أجد لها جوابا. وهكذا شاءت حكمة الله أن أواجه هذا الوضع الشاذ في أول انطلاقتي، بعزم أكيد وصبر شديد، وأنا بين الخوف والرجاء، ما بين الإقدام على محاولة الإصلاح والتغيير، أو مسايرة الظروف والرضا بالأمر الواقع. وكلا الأمرين أحلاهما مرّ. ويومئذ تمثلت بقول المتنبي:

أصارع خيلا من فوارسها الدهر … وحيدا وما قولي كذا؟ ومعي الصبر

نعم، ليس غير الصبر والعزيمة في مثل تلك المواقف الحرجة. توكلت على الله وشمرت على ساعد الجد، تشحذ عزيمتي ثقة المواطنين وسرورهم بمقدمي، وتبدّد حيرتي نصائح بعض المخلصين من أبناء هذا البلد الطيب. سواء من بعض أعضاء الإدارة أو غيرهم ممن حنكتهم التجارب، وخبروا طبائع النفوس، فصرت بذلك أقدّر خطوي في ما آتي وما أذر.

وهكذا شرعت في ترتيب الأفواج وتكفلت بالتدريس للأربعة الكبرى منها، وتكفل الأستاذ بكلي أحمد بالثلاثة الباقية، ثم نظمت حصصا لبعض الدائمين الكبار ممن لا يرتادون المدرسة الفرنسية، فأصبحت أعمل يوميا لعشر ساعات، من طلوع الفجر حتى الثامنة مساء.

٧٠ / ٢٥١