رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٧٢

تعهدت للرئيس بتحمل تلك المسؤولية، وأنا أتيقن أنني لا أجد فيها مساعدا من رفاقي المعلمين يومئذ، وسرعان ما تكونت ثلاثة أفواج. كانت لكبرياتهن الدور الرائد في الاستيعاب والتكوين بحيث أصبحن يتقن القراءة والكتابة، بل ويجدن الإلقاء الحماسي مما أثار إعجاب الأولياء في حفل آخر تلك السنة والذي أقمته في سطح المسجد العتيق حضرته الأمهات لأول مرة وألقى فيه الشيخ باباعمي الحاج أحمد درسا تاريخيا بليغا، تأثر به الجمهور الحاشد فتسابقوا إلى تسجيل بناتهم للسنة المقبلة.

ومن يومها سارت القافلة بخطى ثابتة مركزة، ومن سنة الحياة أن لا يتمهد الطريق إلا بجهود مضنية وأدلاء أوفياء.

وإنني لأعتز بأني كنت ذلك الرائد الوفي في تلك المسيرة، وإن لم تتحقق الوعود بالمكافأة التي أستحقها، وحسبي أنني وضعت القطار على السكة لتسلسل وراءه العربات، وتطوى بعد لأي تلك المسافات. أدبر أمري، وأضع المعالم لمن يأتي على إثري، فلا يضل في المتاهات. فتابعت سيري باتزان حتى نهاية السنة، أي 1955، وكنت خلالها أكتشف مواقع الخلل، وأتوقى بواعث الزلل، واستشير ذوي الخبرة، ممن عرفوا المجتمع وفحصوا فيه كوامن العلل، وما دار في خلدي قط أن أستسلم للأمر الواقع، أو أن أجد لنفسي مهربا إلى مكان آخر أحول إليه نشاطي، وتقوى إرادتي ويشدّ أزري لذلك عدة عوامل:

أ) - حبي المكين لقريتي الوديعة -تاجنينت- مربع الصبا ومهد الطفولة.

ب) - إيماني الوطيد بالرسالة التي حملني الله إياها، بأن أكون مربيا للأجيال، وقد يسرني تعالى لذلك، ومكنني من العدة والزاد.

ج) - عزوفي الفطري عن فتنة الدنيا ومتاعها، وعطفي وحبي للفقراء والمساكين، إذ درجت مثلهم في اليتم والفقر.

د) - وفائي لوالدتي، بأن أبقى إلى جانبها وأخدمها لرفع متاعب الحياة عنها، وقد عانت طويلا من أجلي.

هـ) - إنعام الله علي بحسنة الدنيا في زوجة صالحة وفية تبادلني حبا بحب وتقف إلى جانبي في السراء والضراء.

٧٢ / ٢٥١