رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٨٥فالإمام المرشد الشيخ بابا عمي قد انتعش فيه الأمل فراح ينظم بعض الدروس الإرشادية، على ما كان يتخللها من انقطاعات كلما أزمع السفر إلى هنا أو هناك. فاكتمل بذلك الجانب الروحي من مهام الأذان والصلاة ومجالس الذكر والإرشاد. ويبقى الجانب المادي متهالكا يتطلب جهودا مضنية، ووكيل المسجد المرحوم السيد: الحاج محمد بن حمو "بوكابوس" ليس له أي مردود ولا فعالية في مجال مهمته، إذ بلغ من الكبر عتيا، وتجاوزته الأحداث فأصبح نسيا منسيا، فلا سجل بين يديه للأوقاف، ولا ضبط لما يقدمه المحسنون من تبرعات، وبالتالي لا ضبط للنفقات، وقد جرت العادة أن يجمع ما يكون بين يديه من أموال في صندوق خشبي يحتفظ به الوكيل في مستودع التمور بالمسجد، فيأخذ منه على قدر حاجته للإنفاق على المسجد حتى تنفد تلك الأموال. وأذكر أنني عندما استفسرت الوكيل بلهجة الاستغراب عن حالة الضبط بمثل تلك الطريقة التقليدية أجابني -رحمه الله- بكل تواضع وإنصاف بأن ذلك هو ما جرى عليه من قبلنا، فعليكم المعول أيها الشباب في التنظيم والتجديد.
تأثرت أيما تأثر بتلك الإجابة المتواضعة فآليت على نفسي أن أنطلق في المجال التنظيمي شيئا فشيئا، بدءا بمعرفة النخيل المتفرق بين أجنة العطف ما بين ضاية ميزاب إلى ضاية "أولاوال" أعرفها من خلال مرافقة العمال المتخصصين لصرم التمور وحملها إلى المسجد في كل موسم خريف. وكنت أضع علامة مميزة لذلك النخل في كلّ جنان نمر به. وأما عن معرفة الأراضي والأجنة الموقوفة بكاملها على المسجد، فتلك ثروة ضخمة غير مضبوطة ولا هي معروفة إلا من خلال ما يبلغ عنه المواطنون للوكيل بوجود شيء منها في أجنتهم. وقد كرست ذلك الإهمال فترة القحط الشديد الممتدة على المنطقة لفترة نصف قرن تقريبا.