رسالة الطالب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١نستطيع أن نؤدّي رسالتنا. قال تعالى لنبيّه عليه الصّلاة والسّلام: ﴿ … ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر … ﴾(1) أمّا إذا كنّا متعصّبين، غلاظ النّفوس جفاة، أو لا نعذر هؤلاء الذين نوجّههم حين يخطئون، وحين لا يفهمون بسرعة، أو حين لا يجاروننا بسرعة فيما نذهب إليه، فإنّنا سنخسر الخسارة الكبرى. إذن فَلْنَعِ هذا جيّدا، ولنعمل على التّيسير والتّبشير، وعلى استعمال الطّرق الحسنة في التّوعية، ولنُراعِ الوسائل والأسباب حسب الذين نخاطبهم. طبعا فخطاب الصّغير غير خطاب الكبير، وخطاب العالم غير خطاب الجاهل، وخطاب العامّي غير خطاب الآخر وغير ذلك … وخطاب الإنسان في حالة مرضيّة غير خطاب الإنسان في حالة عاديّة … لسنا نعدّد الحالات، إنّما ننبّه فقط إلى أنّه علينا أن نحذق ذلك حتّى نستطيع أن نؤدّي رسالتنا كما ينبغي.
في هذا المجال أيضا يجب أن نعوّد أنفسنا احترام آراء الآخرين، مهما تكن تلك الآراء، ولو كانت آراء خارجة عن الدّين، إنّما نحاول أن نناقش أصحابها، نعمل على أن نقترب إليهم، نحاول أن نقنعهم بما عندنا، لا أن نستعمل معهم طرقا ربّما تبعدهم عنّا، أو تجعلهم يأخذون فكرة عنّا أنّنا مسلمون، ولكنّنا متعصّبون، لَكَم أضرّ التّعصّب للآراء بأصحابها أوّلا، قبل أن يضرّ ببقيّة النّاس. إذن فلنَعِ ذلك. إن ّالتّعصّب وضيق العطن وعدم فتح المجال للمناقشة والمناظرة، ليست من شيمة الطّالب، ولا من شيمة العالم، ولا من شيمة المسلم. هذا توجيه أرجو - أيضا - أن يفهم على حقيقته.
الملاحظة الثّالثة: كذلك من الأخطاء التي قد يرتكبها الإنسان وهو يواجه مشاكل الحياة الصّعبة ومستجدّاتها، التي لا تكاد تمرّ ساعات أو أيّام إلاّ ونعثر على شيء جديد في هذه الحياة يحتاج إلى معالجة ومناقشة وتبصير، قلت من الأخطاء التي ترتكب في هذا المجال الاعتماد على ما يُقرأ وما يوجد في الكتب. مثلا هناك قضيّة فقهيّة يُبحثُ لها عن فتوى قديمة، وفيما قال العلماء وكتبوا في الكتب. هناك مسألة تربويّة، ينظر لها ما قال علماء النّفس في الكتب وهكذا …
نعم نستعين بالكتب، ولكن لابدّ من الإفادة من التّجارب، وبما يعنّ ويجدّ في الحياة؛ لأنّ ما عولج في تلك المسائل التي دوّنت كانت مرهونة بماكان موجودا في ذلك العصر. فالجمود على تلك الفتوى، والبقاء أسير ذلك الرّأي، سواء كان في الفقه أم في التّربيّة أم في السّياسة، أم في أيّ مجال، معناه تجميد الحياة وتعقيدها، أو تعجيز لهذا الإنسان، الذي وقع في الورطة، بينما حين نستعمل ما قرأناه وما وعيناه، وما أفَدْنا منه في الكتب، ونشفعه بما نكتسب من تجارب في الحياة العمليّة، فإنّنا سنقدّم خدمة كبيرة وجليلة لهؤلاء الذين ينتظرون منّا الشّيء الكثير، ولهذا فلنعِ ذلك جيّدا، حتّى لا نتصادم ولا نبقى ندور في دائرة مفرغة؛ فنجني على أنفسنا وعلى
(1) سورة آل عمران، الآية: 159.