رسالة الطالب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٥يخطئ من يبقى مع الكتب يقرؤها، ويستمع إلى الدّروس والمحاضرات يتقنها ويستوعبها، ولا ينظر إلى الواقع، ويؤجّل ذلك إلى زمن متأخّر، فيحدث هذا هُوّة بين الواقع والنّظريّات، تتّسع بتطوّر الأحداث وتجدّد الحياة وجمود النّظريّة؛ لأنّ من يبقى في هذا المسلك أو يسير على هذا المنوال، يعيش أزمة ومشاكل؛ إذ أنّه إذا جاء ليطبّق ما قرأه من زمان، أتى بالخور والخطل والخواء .. ؛ لأنّ ما تعلّمه يكون – ربّما – قد طواه الزّمن، ولم يعد صالحًا للتّطبيق، فيحدث في المجتمع نوعٌ من التّشنّج والانقباض والصّراع .. بين المتجاورين المتشاكسين، والمتحاورين النتعاكسين ..
6 ـــــــــ لقد تغرّبتم عن مجتمعاتكم لتتعلّموا، وتتعلّمون لتعودوا إليه فتخدموه .. فإيّاكم أن تتخلّوا عنه، أو أن تصرفوا وجوهكم لغير ما صنعكم من أجله .. اختاروا أيّة وسيلة تريدون، واسلكوا أيّ نهج تبتغون، وتخيّروا أيّ بيئة ترغبون، وعيّنوا أيّ ميدان تفضّلون .. لكن لا تنسوا أن توجّهوا أنظاركم إلى الوفاء للبيئة التي نشّأتكم، ولا تهملوا المجتمع الذي علّمكم، ولا تغدروا بمن أرسلكم لتتكوّنوا، ولا تخونوا الأمانة التي وُكِلتْ إليكم ..
سخّروا علومكم وما غنمتم من خيرات وأفضال في الرّقيّ بمجتمعكم نحو المعالي، قدِّموا لأصحاب الفضل عليكم كلّ نفيس وغالٍ، تكونوا ممّن يوفِّي بالعهد، ولا ينقض الميثاق، وممّن يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ووصْلُ الفضل يكون بالوفاء له .. فيقال لكم، كما يقال لأهل الجنّة: ﴿سَلامٌ عَليْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْم َعقْبَى الدَّارِ﴾ (الرّعد/ 24)
7 ـــــــــ عليكم بالتّكوّن في اللّغة العربيّة، بكلّ فروعها، فهي الآلة التي بها تفهمون كتاب ربّكم الحكيم. وتستوعبون سنّة رسولكم الكريم، وتفقهون أحكام دينكم العظيم، وبها تبلّغون رسالة الإسلام، وتخاطبون وتُفهمون الأنام. إنّها الوعاء الذي يحضن فكركم، والبناء الذي يقيم أمركم. إنّها المقوِّم الذي يُبرزُ أركانكم، والحصن الذي يحمي كيانكم. لا تفرّطوا في لغة، بها نزل القرآن، ولا تُهينوا لسانًا، عظّمه الدّيّان ..
8 ــــــــ اقرؤوا الأدب واحفظوا ماثوراته، تصقل ألسنتكم، وتتهذّب أذواقكم، وتتفتّق أذهانكم، وتتوسّع مدارككم، وتنشرح صدوركم، وتحيا قلوبكم. قديمًا قال ابن قتيبة: إنّ من يرغب أن يكون عالمًا فليتخصّص في علم من العلوم (أو فن من الفنون)، ومن يرغب أن يكون أديبًا فليتوسّع في الفنون. وهناك مقولة تقول: لن يكون الفرد فقيهًا حتّى يكون أديبًا. تأمّلوا قول أبي تمّام في أهميّة الشّعر مصثلا:
ولولاَ خلالٌ، سَنَّها الشِّعرُ ما دَرَى … بُناةُ الشِّعْرِ، منْ أَيْنَ تُؤْتَى المكارمُ