رسالة الطالب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

رسالة الطالب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٢

إنّه حين يعرف لماذا يكتب، يكون قد حدّد الدّوافع للكتابة؛ ليعلم هل هي أسباب موضوعيّة مقنعة لصرف وقت من حياته في عمل مفيد، أم أنّ الدّوافع ليست ذات قيمة. يكون الإقدام على الكتابة حسب ذلك إهدارا للجهد، وتضييعا للطّاقة وتزجيّةً للوقت من دون طائل. يبحث عن إجابة عن (لماذا) هل يكتب بدافع رغبة داخلية وقناعة شخصيّة؟ هل يكتب استجابة لطلب؟ مهما يكن هذا الطّلب، ومهما يتلوّن؛ بلون التّملّق أو التّهديد أو الضّغط أو تلبيّة لمناسبة، يرى أنّه لا يحسن ولا يجمل السّكوت عنها … من خلال تحديد الإجابة عن (لماذا) يتحدّد المنطلق في الكتابة، فيكون مستساغا مقبولا، أم هو غير ذلك.

حين تقتنع نفس الأديب وتفقه ماذا تكتب، يُعيّن هو جانبا من خصوصيّة كتابته. هل يكتب موضوعا فيه جديّة وطرافة وجديد؟ هل يكتب أيّ شيء؟ ما يرجوه فقط أن يستجيب لدافع الرّغبة في الكتابة من أجل الكتابة؟ هل يكتب ما يضيف إلى تجارب النّاس شيئا؟ في أيّ موضوع يكتب؟ في الفقه، في التّاريخ، في الأدب، في اللّغة، في الاجتماع، في السّياسة، في الاقتصاد، في العلوم … فيخصّص مجال الكتابة، يتعمّق في العرض والمعالجة والمناقشة. ويكتب في الميدان الذي يحسنه ويتقنه، ويترك لغيره بقيّة الموضوعات، فيفيد منها أكثر. هل يكتب في كلّ المجالات دفعة واحدة؟ ومن ثمّ لا يظفر ببغيته من الكتابة، فلا يستفيد القارئ من هذه الكتابة؟

حين يعيّن من يكتب له، يكتب لعالم أم لجاهل، يخاطب كبيرا أم صغيرا، يحاور متخصّصا أم غير متخصّص، يناقش ملتزما أم غير ملتزم، يحادث من فيه استعداد لسماع الرّأي الآخر أم متعصّبا متزمّتا … ؟؟ حين يتبيّن أو يعرف لمن يكتب يحدّد طريقة الكتابة، ويختار أسلوب المعالجة والمخاطبة ومنهجيّة الحوار وغير ذلك.

أخيرا حين يسأل نفسه كيف أكتب؟ بأيّ أسلوب أكتب؟ وأيَّ جنس أدبي مناسب أختار؟ شعرا أم نثرا؟ قصّة، رواية، مقامة، مسرحيّة، خاطرة؟ أم أكتب بأسلوب عادي؟ أكتب بأسلوب مبسّط أم بأسلوب معقّد؟ أكتب بأسلوب السّخرية والفكاهة والدّعابة أم بالأسلوب الجادّ، الذي يلتزم الوقار والصّرامة؟ أكتب بالأسلوب الواضح أم بأسلوب التّلميح والتّعريض؟ أكتب منتَحِيا ومستلهما الأساليب القديمة أم أنحو منحى التّجديد في الكتابة؟ … فالكاتب حين يحدّد الإجابة عن هذا السّؤال، فإنّه كلّما همّ بالكتابة في أيّ موضوع يهتدي إلى الوسيلة التي تنسجم مع ما يريد أن يوصله إلى المخاطب والمعنيّ بالكتابة.

إجابة الأديب عن هذه الأسئلة تعطي أهميّة لكتابته، وقيمة لما يعرضه. وهو ما يجب أن يحرص كلّ كاتب على الظّفر بهما؛ لكونه يحمل رسالة في الوجود، ويتبنّى مواقف في الحياة، يوجّه من خلالها النّاس، ويخطّ لهم سبل التّحرّك، ويضع لهم منارات وصوى يهتدون بها في دروب حياتهم. قال مفدي زكريّاء:

٤٢ / ٤٤