رسالة الطالب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٧ملحاحا في السّؤال، يسأل عن كلّ ما يعنّ له، وكلّ ما يشكل عليه. وقد قيل: " العلم في صدور الرّجال والأسئلة مفاتيحه" قال الشّاعر:
شِفاءُ العَمَى طولُ السُّؤالِ وإنّما
يَزيدُ العَمَى طولُ السّكوتِ علَى الجهْلِ
ثمّ بعد ذلك يحاول الطّالب أن يصل بنفسه إلى المعلومات عن طريق استعمال المصادر والمراجع، وكلّ ما يمكن أن ينبّهه ويرشده إلى لغة التّعلّم، من ذلك: القيام بالبحوث والعُروض … إلى غير ذلك. إنّ ما يبعث على سلوك هذا المسلك هو ما يلجأ إليه الموجّه من إثارة المتعلّم. هذه هي الخطوة الأولى أو الملاحظة الأولى، التي يجب أن يكون عليها الطّالب، وينتبه إليها.
الملاحظة الثّانية: على الطّالب أن يجمع في تحصيله بين الفهم والحفظ. فالفهم وحده لا يكفي، كما أنّ الحفظ وحده لا يكفي أيضا. فالفهم يسهّل على الطّالب عمليّة الاستيعاب والتّحصيل وإدراك غوامض الأمور، والغوص إلى أعماق المسائل؛ حتّى يستطيع أن يحذقها ويتقنها، ومن ثمَّ يستطيع أن يفيد ممّا يتعلّم، ثمَّ بعد ذلك لابدّ من الحفظ أيضا؛ لأنّ قلّة الحفظ قد يورّط الطّالب أو الإنسان، ويجعله ينسى معلوماته، وينسى ما أخذ عن أساتذته، أو من الكتب أو ما أشبه ذلك، وهذا ما نلاحظه في بعض المناهج التي ربّما سطّرت في بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة، التي تركّز على الفهم من دون الحفظ، فوجدنا نتائج ذلك منعكسا على مردود الإنسان، لا أقول على الطّالب فقط، بل على الإنسان؛ بالنّظر إلى أنّه يجب أن يكون عضوا فعّالا في المجتمع. ولقد وجدنا أنّ من أمراض العصر المعروفة الآن " مرض النّسيان "، لماذا؟ لأنّ الذّاكرة أهملت ولم توظّف ولم تستعمل، ولهذا وجدنا الإنسان ينسى مواعيده وارتباطاته وعلاقاته … إلى غير ذلك، ينسى تاريخه، ينسى تراثه، لماذا؟ لأنّ الذّاكرة أهملت إهمالا تامّاً؛ بسبب الادّعاء أنّ الفهم أولى من الحفظ. وكذلك إنّ الإفراط في الحفظ وحشو الذّاكرة بمعلومات من دون فهمها أيضا يولّد بلادة في الفكر وضحالة في التّفكير، وربّما انزواء أو تقوقعا أو انحسارا في دائرة معيّنة، لماذا؟ لأنّ الحفظ الذي لا يكون مرفوقا بالفهم يولّد ذلك. ثمّ إنّ الحفظ أيضا يجمّد الفكر، بحيث يضع الإنسان في أفق ضيّق، فتجده ربّما لا يسمح لغيره أن يناقشه في بعض المسائل أو في بعض الآراء، أو أن ينازعه فكرته أو يعارضه. وهذا خطأ كبير، ربّما تكون له انعكاسات سلبيّة على مستقبل الطّالب ومستقبل المجتمع الذي ينتسب إليه. فلنحذر التّطرّف في كلتا الحالتين، فلنحفظ ولنفهم. يجب أن نجمع بين الحفظ والفهم، هذه ملاحظة ثانية.
الملاحظة الثّالثة: على الطّالب كذلك أن يوسّع مداركه بعدم حصر نفسه في جانب معيّن من العلم، أو دائرة محدودة من المعرفة، يجب عليه أن يكثر من المطالعة والاستزادة من المعارف؛ حتّى تكون معالجته للمسائل