ست خطب منبرية خميس بن سليمان بن حميد المكدمي

ست خطب منبرية لخميس المكدمي

الجزء ١ · صفحة ١٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الخطبة الخامسة: السعادة الحقيقية

الْحَمْدُ للهِ الذي جعل السعادة في الخضوع له والانقياد وجعل الشقاوة في معصيته والعناد سبحانه هو الهادي إلى سبيل الرشاد أحمده حمدا يبقى إلى المعاد في ازدياد وأصلي وأسلم على صفوة الخلق وخير العباد محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للأنام والبلاد وعلى آله النجباء وصحبه الأصفياء والأشهاد شهادة تبقى لنا ذخرا إلى يوم التناد.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ. وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذه الدنيا لم يخلقها لتكون دار سعادة حقيقية يبذل لأجلها الغالي ويضحى في الحصول عليها بالنفيس وإنما خلقها متقلبة الأحوال متغيرة الصروف إن صفت لشخص يوما ما كدرت عليه يوما آخر وإن أسعدته للحظات أشقته لساعات وإن أفرحته في زمان أحزنته في أزمنه دار هموم وأحزان ولوعة وأشجان حالها متقلب ودربها متشعب فالسرور فيها آني والسعادة نسبية والمرء يتقلب فيها من حال إلى حال ومن لون لآخر (كُل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يو القيمة فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران: 185 غير أن البشر في هذه الدنيا-بحكم عقولهم القاصرة- متفاوتون في نظرتهم إلى مفهوم السعادة كل بحسب الفكر الذي يحمله وكل إناء بالذي فيه يرشح ورشح القلوب سلوك يعاش.

فمنهم من يرى السعادة في مال يجمعه ودراهم يكنزها وأراض يشتريها ودور يستثمرها وقصور يبنيها ومزارع يحرثها (وتُحبون المال حُباً جما) الفجر: 20 فيغض الطرف عن الوسيلة التي توصله لتحقيق الغاية فركب مركب العصيان ومخر عباب الطغيان لتحقيق المنى ودرك المقصود فلم يهمه إن يتلبس بربا أو بيع متعدد الشروط أو مال محرم مشبوه يغض الطرف عن كل ذلك مادام أنه يوصله إلى سعادته المزعومة وهيهات هيهات تكون السعادة في الحرام.

ومنهم من ينطلق في تحقيق سعادته في الكب على الملذات والشهوات فلا يراعي حرمة الأعراض ولا يأبه بخطورة الفساد أو معنى الرجولة فيبيح لنفسه الزنا واللواط وهي الموبقات المهلكة والمنايا المدركة التي ما حلت بدار قوم إلا أحالتها بلاقع كأن لم تكن … وأين هذا ممن امتدحه الخالق عزوجل بحفظ الفرج وغض البصر (والذين هم لفروجهم حفظون (5) إلا

١٦ / ٢٤