ست خطب منبرية لخميس المكدمي
الجزء ١ · صفحة ٢أيها المسلمون: الأب وما أدراكم ما الأب ذاك المكافح المنافح الذي ينهب الأرض نهبا ويقطعها شرقا وغربا جوعه أكثر من شبعه ونصبه فوق راحته يفني عمره بين الظمأ والنصب والكد والتعب لا يعرف للراحة طعما ولا في السكون يوما .. يستعذب الهموم ويستطرب الغموم في سبيل توفير اللقمة لأبنائه … ويتغرب يتلظى بأتون البعد ونار الفراق وربما ذاق ذلك بالشهور والأعوام لا يهمه العمل الذي يعمله حتى لو كان يحمل الجيف ويدرك التلف ويلقى الكلف .. فكم من الآباء في اغترابه ذاق الإهانات والتجريح .. وكم من منهم كابد التنكيل والتسريح … عيناه قد ضعفتا من حر الهجير .. ورجلاه تشققتا من وهج السعير … يجمع الدرهم فوق الدرهم حتى ولو كابد في ذلك الهم ويحصد الدينار فوق الدينار حتى ولو لفحته حرارة النار كل ذلك كدا على العيال ليستريحوا في ظل تعبه ويرتاحوا في خيام نصبه فلله لله أيها الأب كم لاقيت وفي سبيل أبنائك كم عانيت أيذكر فضلك العارفون أم ينسف تضحيتك العاقون. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ.
والأم هذا الكائن اللطيف الذي يعجز عن نعت شخصه الحروف هذه الرحمة الإلهية التي يقع تحت قدميها الجنان ويتقى ببرها الهجير والنيران التي ذاقت أول ما ذاقت من المعاناة انتزاعها من بين عش درجت فيه ومكان تربت فيه لتحمل أكثرهن بعد المسافات وتفارق أهلها مع زوج لم تعرفه ولم تألفه لييسر لها الرحيم الصبر والجلد والعون والمدد. هذا المخلوق الضعيف ظاهرا .. القوي بأمر الله باطنا.
هي التي حملتك في أحشائها وكابدت مشقة الوحام والدوار والآلام وتخشى عليك ومازلت في بطنها وتترفق بك رغم أن عيناها لما ترك وكابدت آلام وضعك وطلقات نزولك ورأت ملك الموت ساعة ولادتك لتخرج باكيا مزعجا فيرتسم على محياها البسمة ضاحكة مستبشرة وهي التي تحملتك وتحملت إزعاجك وبكائك وتقطع نوم ليلتها وأحسن أوقات راحتها لترضعك وسخرت ثديها لك سقاء وحجرها لك فراشا وسرت بك غاية السرور ورأت السعادة فيك وإطلالتك. وتمضى السنتان والأربع وتكبر آمالها لتخبو آلامها ولربما بلغتَ العشرين عاما ومازالت مراعاتها لك كأنك ابن عشرين يوما لك الله أيها القلب الحنون.
عباد الله هذان هما الأب والأم المضيعان عند كثير من الناس … لما قل الدين وتمكن الشيطان اللعين … فرط فيهما وغيب شأنهما .. وأنزلا بعد سموق وارتضي إلا ما رحم ربي فيهم العقوق .. فهذه أم تئن وتبكي وتلك أخرى تندب وتشكي وذاك أب رماه البنون وهذا كبير هجره العاقون .. فإنا لله وإنا إليه راجعون وأسوق لكم قصة نقلتها من أحد المنتديات توضح صورة من صور العقوق التي تشابهها آلاف الصور في مجتمعنا يقول أحد باعة المجوهرات: دخل علي رجل ومعه زوجته، ومعهم عجوز تحمل ابنهما الصغير، أخذ الزوج يضاحك زوجته ويعرض عليها أفخر أنواع المجوهرات يشتري ما تشتهي، فلما راق لها نوع من المجوهرات، دفع الزوج المبلغ، فقال له البائع: بقي ثمانون ريالاً، وكانت الأم الرحيمة التي تحمل طفلهما قد رأت خاتما فأعجبها لكي تلبسه في هذا العيد، فقال: ولماذا الثمانون ريالا؟ قال: لهذه المرأة؛ قد أخذت