ست خطب منبرية لخميس المكدمي
الجزء ١ · صفحة ٦أيها المسلمون: إن المتأمل لأحوال ديارنا بشكل عام ووادينا بشكل خاص يدرك حجم المعاناة التي يعانيها كثير من الناس بسبب هذا المحل والجفاف الذي أحكم علينا بقبضة من حديد وأذاق كثيرا منا صنوفا من البؤس الشديد فالوادي جفت مياهه والنخل يبست ثمرته وأضحى الكل من لهيبه يتلظى ومن حرِّه يصطلي عم الصغير والكبير وأدرك الفقير والغني لم يفرق بين أحد ولا أتى على البعض دون البعض وإنما هو جفاف عم الديار وأهلك الأشجار وأذبل الأزهار وأيبس الثمار وأجدب الحقول فعادت الأرض غبراء مكفهرة بعد أن كانت خضراء نضرة فانظر إلى الأفلاج الداودية الآبار المستبحرة غارت مياهها وجفت منابعها ومما فاقم المشكلة وزاد الطين بله ارتفاع درجة الحرارة التي بخرت المياه وأعطشت الأفواه وغيًضت العيون سل الساهرين طول الليل وهم يأملون في قطرات لطبخهم أو استحمامهم أو حتى شربهم حدثهم عن معاناتهم وطول سهرهم وقلة نومهم وعدم هنائهم بأكلهم وشربهم ضاقت القلوب وامتعضت النفوس ولم يبق غير الإخبات والتذلل للخالق العظيم ليخلصنا مما نحن فيه من الضنك والمعاناة والمشقة والتكدير فهو القادر على كل شيء نعم المولى ونعم النصير فلله لله المشتكى وإليه تعالى الملتجى قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر: 60].
عباد الله: إن الناظر للأسف الشديد يدرك أن وراء هذا الجفاف وزر وذنوب وجرم وحوب كان لها الدور الأكبر في إيجاده فالذنوب انتشرت وعمت في كل مكان وقرية في زمن قل فيها الناصحون والآخذون على المذنبين ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:41].
فمن تضييع للجمعة والجماعات وانتشار للشيشة والمسكرات إلى العقوق وأكل الربا ودفعه دون وازع ولا ضمير بحجج وأعذار واهية إلى زنا ولواط وسحاق وغيبة ونميمة ودسيسة ووشاية وهجر وقطيعه وقيل وقال وتضييع مال وتفريط في عيال وزمر وغناء ونفاق ومراء وإسبال وجدال وتبرج وابتذال وذنوب توشك أن تأتي على الأخضر واليابس والقاصي والداني والمحسن والمسيء والظالم والموفي فلا حول ولا قوة إلا بالله وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:25]. قال ابن عباس: (إذا رأى الناس المظالم ولم يغيروها عمهم الله بعذاب من عنده) وانظروا رحمكم الله إلى أحوال من قبلكم قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 40] وقال عز من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة هود: 102] وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر أن النبي قال: ((بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة من الصغار على من خالف أمري، من تشبه بقوم فهو منهم)) فأي ذلة أكبر من ذل الذنب وأي صغار أشد من صغار الخطايا فهي أس المصائب ومبعث الرزايا وقائد الخطء والتأخر والدنايا نسأل الله اللطف والسداد والعون والرشاد.
أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.