صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٠٠أجل، أيها الإخوة الأعزاء، إن الغيورين من أبناء هذا المجتمع الكريم ليهتزون فرحا وسرورا ويترنحون نخوة واعتزازا، كلما دعا داعي البذل والسّخاء إنجاز مشروع تتحصّن به الفضيلة، وينتعش في رحابه الإيمان، وتتردّد في جنباته آيات القرآن، ويجد الطّمأنينة في كنفه عباد الرّحمن. تلكم هي أشرف مقاصده في ترتيب الأولويات وإن كان لا يغفل ولا يبخل عن زوّاره توفير الوسائل لمتطلبات الحياة. لأن هذا المسلك القويم هو الذي نصح به القرآن، وأرشد إليه أصحاب الأموال والأعمال. عندما قال على لسان الذين أوتوا العلم وهم يوجّهون نصحهم لقارون: ﴿وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الاَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:77).
فحاشاكم -أيها الإخوة- أن تكونوا من صنف "قارون" في سماع تلك النّصيحة، وما جرّ إليه إعراضه عنها من عار وفضيحة. فالله الذي فضل خلقه بعضهم على بعض في الرّزق يرشدنا إلى القصد والاعتدال، في تداول الأرزاق والأموال، بحيث لا تشغلنا ولا تفتننا عن ذكر الله، لأن وراء ذلك الكساد والبوار، وما يتبع ذلك من الإحباط والخسار. إن ما نبذله في إنجاز أمثال هذه المشاريع الخيرية، لهو الضريبة العادلة التي نؤمّن بها على أموالنا وعلى حياتنا وعلى مستقبل أولادنا وأهلينا، إذ هي القلعة الحصينة التي تصدّ عنهم غارات الأعداء، وتقيهم من شرور العواصف والأنواء، وهي المصل الحيويّ الذي يقويّ في أجسامهم جهاز المناعة لمغالبة جراثيم الأدواء.