صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٠٤وإذا فاتك التفات إلى الما … ضي فقد غاب عنك وجه التأسّي
وإلاّ، من قال بربّكم إن الأمم العظيمة هي التي تتنكّر لماضيها وأصالتها؟، ومن قال: إن الانتساب لغير آبائنا هو عنوان الفخار والمجد؟، كلاّ، إنها إيحاءات من أعدائنا لتقويض أركاننا وخلخلة جذورنا لقلع شجرتنا من تربة الحضارة البشرية بغيا وحسدا.
أيها الإخوة المؤمنون، أيّنا لا تهزه مثل هذه المواقف، وهو يشاهد هذه الأفواج من أبناء المسلمين، وكلهم فتوّة ونشاط وإقبال، ينعشون الآمال، ويثيرون في النّفوس كوامن الغيرة والنّخوة للذوذ عن الحمى والحفاظ على مقومات شخصيتنا دينا ولغة وتاريخا وأعرافا وعادات. وما تناوش الأعداء لنا اليوم إلا تفجير لطاقاتنا ودفع لها بكسر الحواجز والحدود، لبلوغ الأعزّ من الغد المنشود: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ﴾ (آل عمران:139). فإن ساءتنا أحوالنا اليوم وشكونا تصاريف الزّمان، ونحن نتلمّس طريقنا نحو المجد والسّؤدد، ونتعجّل بلوغ المقصد، فإن ذلك من طبع الإنسان العجول، ومن سنن الحياة التي لا تعرف التّبديل والتّحويل.
لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى … حتى يراق على جوانبه الدّم
فإذا كان الشّعور بالنّقص هو أول درجة في الكمال كما يقول الحكماء، فحسبنا من واقعنا مثل هذا الشّعور الذي يحفزنا إلى التّجديد والإصلاح وإلى المداواة وضمد الجراح. وذلك بتقييم ذواتنا وكشف ما تنطوي عليه من العيوب، ثم تعهّدها بالصّقل والتّهذيب امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم:6)، ولا تعوزنا الوسائل في ذلك إن خلصت النّوايا وصحت العزائم، ففي كتابنا العزيز وفي هدي رسولنا الكريم عن كل نصح غناء، فأين حكمة البشر من حكمة السّماء؟. يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون:71).