صرخات
الجزء ١ · صفحة ١١٦ولقد مضى زمن ليس بالبعيد، هنا في العاصمة وفي الشّرق الجزائريّ كان لأسلافنا فيه القدح المعلّى في تدبير شؤون الجماعة إن في مشاكلها الدّاخلية أو أزاء السّلطات المحلية، وما منهم إلا الذّكيّ النّبيه، والألمعيّ الزّكيّ لا يكبو جواده في الرّهان، ولا يقعقع له بالشّنآن، فاربأوا بأنفسكم -أيها الإخوة- وأنتم الآن على مسرح الأحداث أن يقال فيكم كما قال جرير للفرزدق:
لئن فخرت بآباء ذوي شرف … لقد صدقت ولكن بيسما ولدوا
بل الأجدر بنا جميعا أن نتمثل بقول معروف الرّصافيّ:
وخير النّاس ذو حسب قديم … أقام لنفسه حسبا جديدا
ولئن كانت ظروف الحياة قد تعقدت، ومعطيات الحضارة قد توسّعت، وأطل علينا شبح العولمة فلا تنسوا ما أصبحتم تنعمون به مما لم يتوفّر لأجدادكم أبدا ويتمثل ذلك في:
أولاً: نعمة الحرية والاستقلال الوطني، فلا قيد ولا كبت للطّاقات والحريات، ولا امتياز لدخيل يحتكر الموارد والثّروات.
ثانيًا: نعمة العلم والمعرفة، فما منكم إلا ضليع في معارف العصر، أو متخصّص في فن من فنون المعرفة بشهاداتها المختلفة.
ثالثًا: نعمة الاتصالات والوسائل المعلوماتية التي تضع العالم بين أيديكم، ومفاتيح خزائنه طوع أيمانكم، فسبحان ميسّر الأسباب وهادي الإنسان إلى فتح مغاليق الأبواب، وهو يمتن علينا بقوله: ﴿هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15).
فأين كان أجدادكم مما أنتم عليه اليوم؟. اللّهم إلا ما كانوا يمتازون به من قوة العزيمة والإرادة إذ هي العنصر البشريّ الفعّال، في ترشيد المساعي ونجاح الأعمال، ولا إخالكم -أيها الإخوة- تفقدون هذا العنصر الهامّ، لأن نجاح كل واحد منكم في مشروعه الخاصّ لهو الدّليل القاطع على ما يتوفر عليه من العزيمة والإرادة وصدق المتبني حين قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم