صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٣٢كانت عباراته تفيض رقّة وصفاء وإخلاصا، تلقيتها برضى واطمئنان، لأنها كانت تعكس ما كان يعتلج في صدري من خواطر، كنت قد سجلتها في تقرير اصطحبته معي إلى المجلس ليكون مرتكز لمداخلتي باسم أهل العطف وقد عجبت بمواؤمة تلك الخواطر لما ورد في حديث الشّيخ، فتيقنت أنني لم أخطئ الصّواب، في ما تضمنه التّقرير من اللّوم والعتاب، ثم صادف أن كنت المتحدث الأول من الوفود المشاركة، فتحدثت بحماس وحرارة، والمستمعون كأن على رؤوسهم الطّير، فما انتهيت من الحديث إلا وقد انبرى أحد المتصدّرين للجلسة ليشكرني على صراحتي وليقترح أن نجعل التّقرير وثيقة عمل لتلك الجلسة، وأن يستنخ لتسلم كل حلقة نسخة منه.
وأيّا كانت آثار ذلك التّقرير في وضعية حلق العزابة في المساجد الإباضية، فإن بلدتنا الطّيّبة "العطفاء" كانت في معزل عن تلك المهاترات والتناقضات التي كانت تعيشها الحلق الأخرى، وهي كلها تتأجّج من الدّاخل غباء وسذاجة، أو عنادا ومشاحنة وقد لا تخلو من غدر وخيانة.
عاد الوفد العطفاوي إلى بلده يجرّ أذياله زهوا وفخرا لما وجّه إليهم من المدح والإطراء، ولم يدر في خلدهم قط أن تنطبق عليهم القاعدة التي تقول:
إذا تمّ شيء بدا نقصه … ترقب زوالا إذا قيل تمّ
رحماك يا ربّ، هل يمتدّ بي العمر لأرى الجيل الذي أعددناه لمتابعة المسيرة في ظلال الوفاق والانسجام، وقد تربّع على عرش المسؤولية بعد أن انتظم السّير، ووضع الرّواد المعالم على الطّريق، وانسجمت أهازيج الحداة في تأطير القافلة وتوجيهها إلى الهدف المنشود؟.