صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

أيها الإخوة الأفاضل، هل من العفوية أن يختار مشائخ القرارة مثل هذا المكان بالذّات، في ساحات هذه المقبرة الطّاهرة التي تأوي رفات الآباء والأجداد، اختاروه مأرزا لهذا المشروع العظيم، ومغرسا لأجنحته ومرافقه؟. كلا، فإن للبلدة متسعا للبناء والإعمار، ولكنهم اختاروا هذا المكان لما يضمّ في جنباته من المعالم والآثار، هي أنفع للأجيال في الاعتبار، وأدعى للتدبّر والأذكار، فكم من أبطال سقوا بدمائهم هذا الثّرى، وكم من أجيال أفنت حياتها لبعث الحياة في هذه الرّقعة الطّيّبة من أرض جزائرنا الحبيبة، وكم من سيّد في قومه حدا بموكبهم فسلك بهم طريق النّجاة، وبوأهم منازل العز والمكرمات. وما هذه المشاريع المباركة إلا جنى غرسهم، نخلد بها ذكراهم ونرعى بها عهودهم ولله درّ شاعر الثّورة عندما قال:

يا دار حمّلت آمال البلاد ففي … أحشائك اليوم أبطال صناديد

أجل -أيها الإخوان- مَن منا لا يذكر جهاد الشّيخ الإمام بيوض، ومن منا لا يذكر إخلاص وجهاد الشّيخ عدون -رحمهما الله- في تأسيس معهد الحياة، ورعاية البعثة العلمية، سيما في تلكم الأيام الحالكات من الاستعمار البغيض؟؟ … لقد كانا بمثابة موسى وهارون تآزرا وتكاملا في مصارعة أعتى عدوّ جثا على صدر مجتمعنا عدوّ الجهل المميت، واجهاه بعزم وثبات حتى انجلى ظلامه، وأشرق صباح العلم وانفتقت أكمامه على هذه الثّمار اليانعات، حبانا الله بها شبعا وريّا.

ومن منا لا يذكر تفاني السّيد الهمام عمنا الحاج عمر بن بكير على إنجاز المشروع ومتابعته للأشغال حتى مراحل نهايتها ولم تكحل عيناه برؤية البناء وقد استوى على سوقه وتهيأ لاحتضان أهله وبنيه؟ فليس المهم أن يرى العامل ثمرة جهاده ولكن الأهمّ أن تتكامل جهود الأجيال على قاعدة: "غرسوا فأكلنا وغرسنا فيأكلون".

١٣٦ / ٥٠٤