صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٣٧فكأني بهم في قبورهم يتململون فرحا وسرورا وهم يتحسّسون وقع أقدامنا على أجنحة هذا المشروع العظيم، ويسمعون أصوات دعاتنا على هذا المنبر الكريم، ولسان حالهم يقول:
كم بين طيات العصور الخالية … عظة لأبناء العصور الآتية
عبر اللّيالي كالليالي جمّة … لكنما النزر القلوب الواعية
الدّهر يفنينا ونحسب أنه … يفني بنا أيامه ولياليه
إن الحياة قصيدة أبياتها … أعمارنا والموت فيها القافية
فرحم الله تلك الأبدان وأسكنها فسيح الجنان. ولا شك أننا من الواعين لتلك العظات التي تنطق بها هذه المنجزات، وأننا مدركون لما تنتظره منا من الواجبات.
فيا ربوع القرارة الشّماء، ماذا يتقلب اليوم في مغانيك من معاني العزّ والفخار؟ وماذا يشّع في ثناياك من أنوار؟ وأنت تحتضنين في شوق وحنان هذه الحشود الطّيّبة من محيّيك ومريديك الأخيار. جاؤوا ليشاركوك بإخلاص ووفاء في مهرجانك الميمون لافتتاح هذا المعلم الرّمز الذي هو بحق منبع للحياة، حياة الخلود والبقاء القائمة على الهداية الرّبانية ووحي السّماء.
فلا تلوموني -أيها الأصدقاء- إن برّح بي الشّوق والتّحنان لمربع شبابي، وقد كنت الطّائر الطّروب بين أسرابه، تطالعني الذّكريات السّعيدة من كل حيّ في مغانيه، بل وتناغيني كل ذرة في ترابه. واليوم وقد أخنت أصلابي وطأة السّنين، فليس لي إلا أن أردّد مع الشّاعر:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبى … وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيات الحمى برواجع … عليك، ولكن خلّ عينيك تدمعا
وهل للمتيم الولهان إلا الدّموع والحسرات، وعندما يجود الدّهر بلحظة من وصال، فتلك -لعمري- منة لا تقدر بأية قيمة من متاع ولا مال.