صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٥٤فضيلة شيخنا الكريم، نحن ممتنون لكم بهذه الزيارات الحميمة التي تطلعون من خلالها على واقعنا وأحوالنا وفيها ما يسرّ وما يسيء ولا تعوزكم الفطنة والخبرة في تبيّن مواطن الخلل ومكامن الدّاء لتقديم الوصفات العلاجية وتقديم النّصح والإرشاد، وأكثرنا مفتون بزخرف الدّنيا ومتاعها ولا يتحرّى الحلال والحرام في كسبه وسعيه، ولم يعد للوازع الدّينيّ والرّادع الإيماني في النّفوس ذلك الأثر الفعال الذي كان يمنع ويحصّن ويقوم حارسا أمينا على طهر المجتمع ومناعته. رحم الله زمانا كانت فيه الولاية والبراءة الشّخصية أقوى سلاح يشهره المسجد أمام العصاة المنحرفين، ويكون النّاس أزاءها متضامنين فلا يسع العاصي إلا التّوبة والإنابة والعودة إلى جادّة الصّواب، وليت الوازع السّلطاني اليوم يملأ ذلك الفراغ فيرتدع السّفهاء ويقصر المغامرون.
أيها الإخوة الأعزاء، لئن اجتمع لدينا في هذه الأيام عيدان: العيد الدّيني بفاتح محرم، والعيد الوطني بفاتح نوفمبر، فحذار حذار أن نخطئ التّقدير لقيمة العيدين في وعينا وإحساسنا وما الدّين والوطن إلا صنوان للمجد والعظمة وتوأمان للعزّ والكرامة، لأن جوهرة الدّين لا تنمو ولا تصان إلا في صدقة الوطن تمدّها بعناصر الزّينة والنّفاسة. وتحفظها من عوامل التفسخ والذوبان، فللدين معاقله وحماته، وللوطن بناته وسراته. وهم في خدمة الصّالح العام أعوان، وفي صرح المجد دعائم وأركان.
فيا فضيلة شيخنا، لئن شعرت قافلتنا بشيء من الفتور والملل، وأحسّت بشيء من التّعب والكلل، فأنتم الحادي الموهوب والدّليل الخبير لتنشيط سيرها وتفعيل طاقتها لمواصلة السّير وتأطيرها في الاتجاه الصّحيح، فلا يضيرها بعد ذلك أن ترهبها الكلاب، ولا أن تواجهها المطبات والصعاب.
وما نيل المطالب بالتمنيّ … ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا
متعكم الله بموفور الصّحة والهناء، وحباكم بطول العمر لنشر هدي السّماء، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان ختم التفسير.