صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٥٦ب) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ (الكهف:1).
أيها الإخوة الأفاضل، إنكم بهذه الاستجابة الكريمة، وبهذا الإقبال التّلقائي المخلص، قد عبرتم على ما في قلوبكم من تعظيم وإجلال لكتاب الله، وعكستم على أرض الواقع ما في جوانحكم من أمل ورجاء في نشر هداية القرآن وتمكين دستوره من أسباب العزة والسّلطان، لدحر الشّر والفساد وكبت البغي والطّغيان، تقبل الله نواياكم ووفق مسعاكم وسدّد خطاكم إلى مزيد من الخير والصّلاح وإلى منازل القربى بالتّقى والفلاح.
لقد قلدتم شخصي الضّعيف بالمنن التي لا تنسى، والبرّ الذي لا يبلى، وأنا الشفوق الخجول أمام أشخاصكم الكريمة، عساني أن لا أكون على حسن ظنكم بي أو وفق تطلعاتكم لما تنتظرون مني، ولكن كرمكم أوسع لي، وحلمكم أرفق بي وحسبي أنكم ترضون من الجذع ما أعطاكم، ولكم الشّكر والفضل في ما أرضاكم، وعزائي في ذلك أنني كابدت واجتهدت واستخرت الله عند بدء المشوار فانشرحت. وما كنت أدّعي غزارة العلم، ولا تفوقا في التّحليل والفهم، بل كثيرا ما أبقى متهيّبا متقزما أمام أمهات التّفاسير قديما وحديثا، فينتابني الشّعور بأنني اجترأت وغامرت، إذ ساميت الفهم العوالي في شحّ من العتاد، وعدم كفاية من الزّاد، ولكني بحكم تجربتي الشّاقة، وبثقتي العظمى في عون الله وتوفيقه تبيّن لي أن هناك سرّا إلهيا لا يخضع لما تواضع عليه الخلق ولا تحكمه قوانين الزّمان والمكان، فأحسّ بذلك السّرّ يسري في كياني كلما جلست على المنبر وغمرتني نفحات بيت الله، فإذا بالفيوض الرّبانية تتدافع أمواجها لتشق الطّريق أمامي لأبلغ الغاية المنشودة وأنضد الدّرر الفريدة:
لا يعرف الوجد إلا من يكابده … ولا الصّبابة إلا من يعانيها