صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

وإننا لا نختلف اليوم أنّ أسباب القوة والعزّة والتّمكين، ووسائل الرّقي والازدهار لا يملكها إلا العالمون، وأن لا مكان لجاهل في حياتنا العصرية. غير أن الذي تتفاوت فيه الأفهام، وتتعدّد فيه المسالك هو تحديد المفهوم الحقيقي للعلم من جهة، ومن هو الشّخص الذي يستحق أن نضفي عليه صفة العالم؟؟ فإذا كان لبعض الكلمات العامّة أطوار متعدّدة في مسارها التّاريخي تنداح دائرة مفهومها وتضيق حسب مقتضيات الزّمان والمكان، ووفق تطلعات الإنسان وآفاق تفكيره، فإن كلمة العلم والعالم في ربوعنا قد عرفت هي الأخرى هذه الظّاهرة التي ضبط موازينها علماء فقه اللغة. فمنذ أزمنة قريبة حصرنا مفهوم العلم في علوم الدّين: أصوله وفروعه، واعتبرنا العالم ذلك الإنسان الذي يتحدث في الحلال والحرام، ويحفظ من غريب المتون في التّفاريع الفقهية وغيرها الشيء الكبير، ثم نظرنا إلى الفروع العلمية الأخرى نظرة ارتياب واعتبرنا الخائضين فيها من السّفهاء المفتونين. وكان للعهد الاستعماري إيحاءاته الماكرة، ومؤامراته الخبيثة في تركيز هذا الاتجاه واستبقاء ذلك المناخ.

غير أن سنة الله في التّطوير والتّجديد، وتأرجح الإنسان ما بين الإبداع والتّقليد وتعلقه بالقديم أو افتتانه بالجديد، كل ذلك مكّن هذه الأمة من النّهوض والإقدام، إذ عاد إليها الوعي، فاستجمعت قواها وعزمت أمرها على صيحات روّاد النّهضة الأعلام، من مشائخنا الأجلة الكرام، الذين أعادوا للدّين جدّته، ووفّروا للعلم قوته وفتوّته. فما منهم من أحد نكص على عقبيه أمام المواجهات، ولا فترت همته أزاء التحدّيات. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.

١٦٧ / ٥٠٤