صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٦٨أيها الإخوة المؤمنون، ها نحن اليوم نجني ثمرة أولئك الرّجال الأفذاذ الذين حدوا بركب العلم والثّقافة في بلادنا فقطعوا به أشواطا بعيدة، وبخطوات عملاقة تخطت الحواجز وعبرت الجسور وصارعت التّيارات، فلم يذهلها تعداد الألوان، ولا ارتبكت أمام الاختيارات. فإذا بأجيالنا الصّاعدة تقتحم آفاق العلم الواسعة، وتشق سجف الجهل والعمى بأنواره السّاطعة، وإذا ببلادنا تنعم بهذا الفيض العميم، كما قال شاعرنا الحكيم:
إذا ارتوت البلاد بفيض علم … فعاجز أهلها يمسي قديرا
ويقوى من يعيش بها ضعيفا … ويغنى من يعيش بها فقيرا
وما تناديْنا اليوم لهذا اللّقاء المبارك في هذا المكان الطّاهر إلا لنحمد مولانا الجليل، ونشكره على جزيل نعمه وفيض كرمه، إذا ألهمنا الرّشد والسّداد، وأنعم علينا بهؤلاء الأفذاذ الذين شقوا لنا الطّريق، ووضعوا المعالم، وركّزوا أسس هذه الانطلاقة العظمى بنور أبصارهم وعصارة أمخاخهم، ودماء عروقهم. وما شيخنا الجليل عبد الرّحمن بكلي إلا علَم من هؤلاء الأعلام الذين تفتخر بهم الجزائر وتدين لهم بالحبّ والوفاء، لأنها كانت لهم نعم الأمّ وكانوا لها أبرّ الأبناء. ذلك لأنهم صابروا ورابطوا في ثغورها أيام المحن والشّدائد، وحافظوا على تراثها ومقوماتها فلم تنل من شرف مجدها المصائب والشّدائد، في فترة قلّ فيها النّاصرون، وقعد عن نجدتها القانطون.
شيخنا الجليل، لقد واكبت هذا القرن في كل مراحله وأطواره، وعايشته في فواجعه وبشائره، وها أنتما اليوم ذرفتما على التّسعين، ولا إخالكما إلا مترافقيْن والمحامد؟؟ وأية مكرمة تنتظرها منا وقد حباك المولى منها ما يسلكك في عداد الخالدين؟ أنكرّمك لصدور الكتاب الثّاني من فتاويك؟؟ أم أنك ذرفت على التّسعين، ولم تزل منهلا للطلاب وملاذا للمستفتين؟؟