صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٧فيا أيها الإخوة المؤمنون، ليس من غرضنا في إحياء هذه الذّكرى أن نجدّد المصاب فنثير بذلك كوامن الحزن بعد أن اطمأنت النّفوس لقضاء الله، وسكنت لواعج الحسرة، فما ذلك من شأن المؤمن، ولا كانت هذه المظاهر من تقاليد الإسلام. ولكننا إذ نؤبّن شيخنا المرحوم العلاّمة بكلي عبد الرّحمن، فإننا نريد بذلك أن نستجلي -معاشر الأحياء- معاني الإخلاص والتّقى، ومثال التّضحية والوفاء، ونبرز للأجيال من خلال حياته العامرة، ثمرات الجدّ والمثابرة، وفعالية الإرادة والعزيمة، ونتائج الصّبر والثّبات، في صنع النّفوس العظيمة وتكوين الهمم العالية. وكل قصد من هذه المظاهر لا يهدف إلى هذه الغاية النّبيلة فالإسلام منه براء، وكل ما قال فيه أنه لهو وهراء؛ لأن الله تعالى هو وحده المتفرّد بالعظمة والكبرياء: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنَ اَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (غافر: 15).
فهؤلاء المصطفون الأخيار من الرّسل والأنبياء، أو ورثتهم من العلماء، جعلهم الله فينا محلا للقدوة الحسنة لما أوتوه من الحكمة والسّداد، ولما يدعون إليه من الهدى والرّشاد، فلا ينبغي في شأنهم أن نتجاوز هذه الغاية من التّأسّي والاقتداء، حتى لا نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمُ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ (التّوبة:31). لأنّ المسلمين في فترة ما من تاريخهم، وبإيحاءات من أعدائهم قد شغفوا بهذه المظاهر، فجعلوا من أئمتهم وشيوخهم وصلحائهم قرناء لله يحبونهم كحبّ الله، ويتخذون من زواياهم وأضرحتهم أماكن مقدسة تشدّ إليها الرّحال، وتلتمس عندها البركات، كما تخصّص لها النّذر وتعقد إليها الزّيارات.