صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٨فما أحوجنا اليوم -وقد صحونا من غفوتنا- أن نتحرّر من كلّ ما من شأنه أن يحرّك عواطف الحنين إلى تلك العهود المظلمة، سيما لدى جماهيرنا غير الواعية. وتلك هي التّربية الحكيمة التي انتهجها رسول الله في انطلاقة دعوته، وأصحابه حديثو عهد بالكفر، حينما حرّم عليهم زيارة المقابر، تلك التّربية المثلى التي جعلت الفاروق عمر - رضي الله عنه - لا تطاوعه نفسه لتقبيل الحجر الأسود لولا أن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
أيها الإخوة المؤمنون، لتكن أعمالنا تعبيرا عن هذه المقاصد النّبيلة، نصدر فيها عن روح الإيمان الخالص، ونستلهم من حياة علمائنا ما ينير لنا الطّريق غير مفرطين ولا مفرّطين. وإلا فهم عند الله رفيعو الدّرجات، قد أعطوا كل ما عندهم من فضل وأفنوا أعمارهم لتكون كلمة الله هي العليا، وهم في ذلك لا يستخفهم الطّمع، ولا يستهويهم الجاه، ولا تستميلهم حظوظ الدّنيا ومفاتنها. ولذا فهم لا يطربون للمدح والثّناء، ولا يغضبون للذم والهجاء، وناهيكم شرفا وفضلا لأهل العلم أن الله تعالى ثلّث بهم بعد أن بدأ بنفسه وثنّى بالملائكة فقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِماَم بِالْقِسْطِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (التوبة:18).