صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٧٤وما الإمام ابن باديس -رحمه الله- إلا علم من أولئك الأعلام الذين بادلوا أمتهم حبّا بحب ووفاء بوفاء، وقد أخرجته العناية الإلهية إلى نور الوجود في أواخر القرن الماضي، فعاش واقع شعبه وأحسّ بآلامه صبيّا طاهرا ثم غلاما زكيّا فشابا طموحا، لم تبطره النّعمة التي غمرته بها أسرته، بل آثر الطّريق الصّعب والعيش الخشن حين عقد عزمه على إنقاذ شعبه من ظلمات الجهل الذي لا تحيا عليه جماعة ولا يقوم عليه بنيان، فشدّ رحاله إلى تونس لينهل من حياض جامع الزّيتونة، ويستكمل عدته من العلوم والمعارف، وقد وهبه الله ذكاء وفطنة، وألهمه الحكمة في العمل والسّداد في الرّأي، فخاض معركة الإصلاح الدّيني والاجتماعي لا ترهبه سياط الاستعمار، ولا تلين له قناة أمام المتعصّبين من أبناء شعبه ممن لفهم ظلام الجهل والخرافات واستحوذت عليهم أباطيل التّقاليد والعادات.
فظل يجاهد بلسانه وقلمه مستلهما ما في كتاب الله وسنة رسوله من توجيهات. وكان له في كل منبر صوت، وفي كل محفل موقف، لا يخاف في الله لومة لائم.
وقد أصاب من حكمته كل فرد، واستمعت لنصحه كل الفئات، والتفّت حوله جماعة من رفاقه العلماء في جمعيتهم الفتية سنة 1931م. فتجاوبت أصداء هذه الحركة الإصلاحية في شرق البلاد وغربها، وفي شمالها وجنوبها، ورسخت في جذور الشّعب شجرتها المباركة. فها نحن أولاء نجني ثمراتها عزّا وكرامة لشعبنا المفدّى، ومعرفة وثقافة لنشئنا الصّاعد.
فإذا كنا حقا نريد أن نحتفل بيوم العلم، ونخلّد فيه ذكرى أولئك الأماجد الأبرار، فما علينا إلا أن نتخلّق بالأخلاق الفاضلة التي عرفوا بها، وننتهج النّهج الذي سلكوه في تركيز أصالتنا وبعث تراثنا المجيد.
ولا يتأتى لنا ذلك إلا بالجدّ والاجتهاد والعمل الدّؤوب، والصّرامة في الإنجاز والتّنفيذ، حتى نكون أوفياء لمبادئ ثورتنا المباركة التي من أولاها وأعظمها "ديموقراطية التّعليم" وتوسيع قاعدته لكل أبناء الشّعب.