صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٧٧فها نحن اليوم نقف وقفة إجلال وإكبار، وقد استكملت مسيرتنا المباركة عقدها الثّالث، لنستلهم أحداث ذلكم اليوم المشهود من فاتح نوفمبر سنة أربع وخمسين وتسعمئة وألف، يوم شاءت إرادة الله أن يمنّ على المستضعفين في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، فانطلقت النّفوس المؤمنة من أبناء هذا الشّعب المفدّى لتتحدّى الطّغيان وتكسر الأغلال، وتشق طريق العزة والكرامة والحريّة للأجيال. نستلهم ذلك فتنحني جباهنا لتلكم الأرواح الزّكيّة التي رفرفت في ملكوت الله تهفو إلى لقاء ربّها، وقد خرجت من بيوتها مهاجرة إلى الله ورسوله، مجاهدة تحت لوائهما لدحر أعداء الله وإعلاء كلمته، وتطهير أرض الإسلام من الدّنس والعار، طالبة إحدى الحسنيين: الاستشهاد أو الانتصار، إيمانا منها بأن الله تعالى لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وأن الحريّة لا تسقى شجرتها إلا بالدّماء الزّكية، وأنها درّة غالية في بحر الوجود يغوص عليها الإنسان ولا يعطاها هدّية.
نحني جباهنا إجلالا وإكبارا لأولئك الأسد المعاميد من أبطال غرة نوفمبر، وقد سجّلوا في تاريخ البطولة والفداء أروع الصّفحات وسلكهم الله في سجلّ الخالدين، وما فتئ رفاتهم الطّاهر يتضوّع مسكا، ويتألق نورا في كل شبر من وطننا المفدّى، يوحي للأجيال بالنّخوة والإباء، ويهتف بها أن تواصل المسيرة في نهج التّشييد والبناء، وتحقيق الازدهار والرّخاء، وأن تبقى لشهدائها الأبرار على العهد والوفاء. تلكم هي الإيحاءات التي يجب أن نعيها بعمق ونحن نقف على رأس هذه الذّكرى الغالية، الذّكرى الثّلاثين لثورة نوفمبر الخالدة، وتلكم هي الصّرخات التي يجب أن ننصت إليها في خشوع وإجلال، إنصات من يريد بحق أن يذكر ويعتبر، ويعمل بجدّ وثبات ليساهم بجهده اليوم في إعلاء صرح هذا الوطن العزيز حتى يتبوّأ مقعده في مصافّ الأمم الرّاقية يخطّط فينجز، ويقرّر فينفّذ، ويطمح فلا يألو جهدا في بلوغ الغاية وإدراك الهدف.