صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

أيها الإخوة الأجلاء، أيها الأبناء الأعزّاء، إذا حقّ لنا أن نحتفل بالذّكرى الثّلاثين، فلا يعزب عن أذهاننا ما في ذلك من معان وأبعاد، وما يفرضه التّاريخ من مراحل تطوى وأخرى تتجدّد، ومن مواكب أجيال تترى في ساحات الأحداث، وتتسابق في حلبة الوجود والبقاء، وهي في ذلك قد تكون متفطنة واعية، أو غافلة ساهية. غير أن عجلة الزّمان لا تتوقف، ودارات المكان تتماسك حلقاتها وتنداح دوائرها يوما بعد يوم إلى المصير المشترك الذي قدّره الله تعالى للإنسانية جمعاء، والله من وراء كل ذلك محيط، لا تتغيّر سننه في خلقه مهما زيّنت لهم الأرض وظنوا أنهم قادرون عليها.

فإذا قدّر لنا -نحن الأحياء- أن نقف وقفة تأمّل واعتبار في معلم من معالم الطّريق، ونحن نغذّ السّير إلى الغاية التي قدرت لنا، فيجب علينا أن نتبيّن مواقع خطونا، ونقدّر الزّاد الذي بين أيدينا لمواصلة الطّريق حتى لا تنقطع بنا السّبل أو تزلّ بنا الأقدام. فأين نحن اليوم من جيل نوفمبر؟، سواء منهم من قضى نحبه أو من ينتظر؟ فإن ثلاثين عاما في حياة الجيل هي الحلقة الكاملة في سلسلة المجتمع البشري، وهي الفترة الزّمنية الضّرورية التي تتطلبها مسرحية الحياة في فصولها ومشاهدها المختلفة.

لقد بلغتم شأو زمنكم يا جيل نوفمبر. ففي ذمة الله الكريم تلكم الأرواح الزّكية من طلائع التّحرير والانعتاق، وعلى العهد والوفاء لله والوطن من بقي منهم من الرّفاق. وأنتم يا سليل جيل نوفمبر، ها هي الذّكرى الغالية لأسلافكم العظام تنتصب اليوم منارا تسيرون على نوره مهتدين، وقد آمنكم الله من خوف، وأطعمكم من جوع، وألبسكم حلل العزّ والفخار، فحرام عليكم أن تضلوا الطّريق، أو أن تتولّوا عنه مدبرين. فإن جراح العهد البائد لم تندمل بعد، وأن رواسبه لعميقة الجذور، فلا تقنعوا بالهيّن اليسير، فإن ذلك يميت روح الثّورة في النّفوس. ولا تتركوا الخلل في الصّفوف، فإن الذّئاب تتربّص، والعدوّ لا ينام عن ثأر.

١٧٨ / ٥٠٤