صرخات
الجزء ١ · صفحة ١٩أيها المؤمنون: ليس من قبيل الصّدفة أن نختار هذا المكان الطّاهر في بيت الله المعمور لتأبين شيخنا، لأننا نريد بذلك أن نرمز إلى صنوية الدّين والعلم في مسار تاريخ أمتنا حتى لا تحيد عن طريقة أجيالنا الصّاعدة، فيحاولون -في تقليد لأعدائنا- أن يفصموا بينهما محرّفين بذلك المقولة المشهورة: "العلم لا وطن له". نعم، فنحن لا نماري في هذا المبدأ، وقد روي عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اطلبوا العلم ولو بالصّين»(1). ولكننا إذا سلمنا بأن العلم لا وطن له، فإن العالِم لا بدّ له من وطن يكون مجالا لنشر علمه، ومرتكزا لإبداعه ونشاطه الذّهني تأثرا وتأثيرا وأخذا وعطاء، وإلا فهو بوق ومزمار وملتقى لكل تيار. يصدق فيه المثل الذي ضربه الله لهذا النّوع من العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثَ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَالِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 175 - 176).
(1) - رواه البيهقي، شعب الإيمان، رقم 1543، من حديث أنس، وقال: حديث متنه مشهور وإسناده ضعيف. 3/ 194.