صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

إنه لمن المواقف المحرجة، تلك التي يصبح فيها المرء في هالة من رفاقه يحفّون به كالملائكة الأطهار، وهم يخصّونه بالتّكريم، ويحتفون به إذا انتهى في مسيرة دربه إلى حيث تقضي عليه ظروف المهنة أن يلقي عصا التّرحال، بعد ما أخنت عليه السنون، ودبّ في أوصاله الضّعف والهزال. وأشدّ منها على قلب العاشق الولهان أن يؤذن له بالفراق ويحرم من لذة الوصال. إنها لمواقف تخرس فيها الألسن ويترك المجال لنجوى القلوب وخطرات النّفوس.

وكأني بكل واحد منا في موقفه هذا يردّد مع الشّاعر المهجري إيليا أبي الماضي هذه الأبيات اللّطيفة:

ما لقلبي يلجّ في الخفقان … لا أنا عاشق ولا أنا جاني

أبتغي أن أقول شيئا فيعصيني … لساني، والسحر تحت لساني

أنا كالطائر الذي اندفق … السحر عليه فغص بالألحان

غلبتني عواطف الصّحب حتى … صرت في حاجة إلى ترجمان

من أنا ما صنعت حتى تعصبوا … بالتاج رأسي وأي شأن شأني

أنا من روضكم قطعت أزاهيري … ومن بحركم غرفت جماني

إن أكن فرقدا فأنتم سمائي … أو هزارا فأنتم بستاني

نعم، أيها الإخوة الكرام، والله لكأننا بلقياكم هذه قد لقينا شبابنا أيام كنا في غمرة النّشاط والبذل والعطاء؛ فما شعرنا بالسّنين كيف توالت، ولا أحسسنا بالتّعب والعناء، لأننا أحببنا العمل الذي هيأنا الله إليه في مجال التّربية والتّعليم، والتزمنا بأخلاقيات المهنة انضباطا وسلوكا لنكون قدوة للأجيال، إيمانا منا بثقل الأمانة في تكوين الرّجال، وأن العمل التّربويّ ليس مجالا لمتاع الدّنيا ولا لتأثيل الأموال. وكنا ننظر إلى تلامذتنا أنهم الكنز الغالي والمعدن النّفيس الذي نتعهده بالصقل والتّهذيب وبالتّزكية والنّماء، لأنهم النّبتة الطّيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء. ولا نخالكم -أيها الزّملاء الكرام- إلا وأنتم على هذا الدّرب سائرون، وفي نشاطكم دائبون، ولعهد الله والوطن راعون، سدّد الله خطاكم، وحباكم الصّبر والثّبات واليقين.

١٨٥ / ٥٠٤