صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

يا أبناءنا، إن الحياة قسمان: حياة علمية وحياة عملية. وإن ثانية منهما تنبئ عن الأولى قوة وضعفا، وإنتاجا وعقما. وإنكم لا تكونون أقوياء في العمل إلا إذا كنتم أقوياء في العلم، ولا تكونون أقوياء في العلم إلا إذا انقطعتم له ووقفتم عليه الوقت كله. إن العلم لا يعطي القياد إلا لمن مهره السّهاد، وصرف إليه أعنّة الاجتهاد. لا تقطعوا الفاضل من أوقاتكم في ذرع الأزقة إلا بمقدار ما تستعيدون به النّشاط البدني، ولا في الجلوس في المقاهي إلا بقدر ما تدفعون به الملل والرّكود، ولا في قراءة الجرائد إلا بقدر ما تطلعون به على الحوادث الكبرى وتصلون به مجاري التاريخ.

يا أبناءنا: اتركوا المناقشات الحزبية والخلافات السّياسية لأهلها المضطلعين بها المنقطعين لها. ودعوا كل قافلة تسير في طريقها، وكل حامل لأمانة من أمانات الوطن مضطلعا بحملها قائما بعهده فيها، حتى تنتهي تلك الأمانات بطبيعتها إلى جيلكم، فتأخذونها بقوة واستحقاق. واعلموا أن كل من يدعوكم إلى ذلك إنما يدعوكم ليضلّكم عن سبيل العلم فهو مضلّ، وكل مضلّ مضرّ؛ أو ليتكثر بكم فهو غاشّ، وكل غاش ممقوت؛ أو ليلهيكم بما لا تحسنون عمّا تحسنون، فهو ماكر، وكل ماكر ممكور به. إن من يريد أن يتكثّر بكم لا يتكثر إلا ليقلّلكم، ولا يتقوى بكم حسّا إلا على حساب إضعافكم معنى. فالحذر الحذر؛ فإن الوطن يرجو أن يبني بكم جيلا قويّ الأسر، شديد العزائم، سديد الآراء، متين العلم، متماسك الأجزاء؛ يدفع عنه هذه الفوضى السّائدة من الآراء، وهذا الفتور البادي على الأعمال، وهذا الخمول المخيّم على الأفكار، وهذا الاضطراب المستحكم في الحياة، وهذا الخلاف المستمرّ على السّفاسف. فإذا جاريتم هذه الأهواء المتباينة، واستجبتم لهذه الأصوات المتناحرة، ضيّعتم على الوطن جيلا وزدتم في بلائه ومحنته وأطلتم مدّة المرض بتأخير العلاج.

١٨٨ / ٥٠٤