صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠وليسمح لي القارئ الكريم أن أقدّم إليه في هذا المضمار أمثلة من تجربتي الخاصّة، وهي نموذج لمئات المثقفين أمثالي من الميزابيين، سواء منهم المقيمون في المنطقة أو المنبثون في أرجاء البلاد، ممن نشأوا في أحضان الإصلاح الدّيني والاجتماعي الذي عاشته المنطقة منذ العشرينيات، إذ رضعنا لبان المعرفة في معاهد المنطقة وفي الجامع الزّيتوني بتونس، فلم نشعر يوما بغرابة، ولا وجدنا غضاضة في دراستنا على أساتذة مالكيين وحنفيين، ونحن نتلقى عنهم أحكام الفقه على المذهبين، ولا أحسسنا بنفور إلى جانب الطّلاب هنا أو هناك. بل احتضنت معاهدنا في المنطقة مئات من الطّلاب المالكيين، ودرسوا سويًا إلى جانب رفاقهم الإباضيين دونما تفرقة بين الواحد والآخر، ولا تمييز في الحقوق والواجبات، بل ولا إعنات لأحدهم في احترام الفوارق الفرعية للمذهبين حين يرفع هذا ويسدل ذاك.
فكيف يصدّق عاقل نزيه أن يمنع المؤمن أخاه المؤمن من بناء مسجد أو إتيانه لذكر الله.
وقد اعترف الكاتب نفسه أن تلك الظّاهرة -على فرض صحتها تاريخيا- أخذت تزول بعد الثّلاثينات، فهلاّ كلّف نفسه أن يسأل كبار الأعراش من المالكيين القدامى الذين استقروا في المنطقة من أمد بعيد، عن المساجد الخاصّة بهم في كل قرية، وعن الأراضي المخصّصة لهم لدفن أمواتهم، مَن وهبها أو باعها لهم غير الميزابيين، ومن أعانهم على رفع أركانها وأسوارها سواهم؟.